تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
فالقسم به باعتبار شرفه بنزول كلام اللّه فيه ونزول الألواح على موسى وفي ذكر الطور إشارة إلى تلك الألواح لأنها اشتهرت بذلك الجبل فسميت طور المعرّب بتوراة . وأما الجبل الذي خوطب فيه موسى من جانب اللّه فهو جبل حوريب واسمه في العربية ( الزّبير ) ولعله بجانب الطور كما في قوله تعالى :
آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً
، وتقدم بيانه في سورة القصص [ 29 ] ، وتقدم عند قوله تعالى :
وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ
في سورة البقرة [ 63 ] . والقسم بالطور توطئة للقسم بالتوراة التي أنزل أولها على موسى في جبل الطور . والمراد ب
كِتابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ
التوراة كلها التي كتبها موسى عليه السلام بعد نزول الألواح ، وضمّنها كل ما أوحى اللّه إليه مما أمر بتبليغه في مدة حياته إلى ساعات قليلة قبل وفاته . وهي الأسفار الأربعة المعروفة عند اليهود : سفر التكوين ، وسفر الخروج ، وسفر العدد ، وسفر التثنية ، وهي التي قال اللّه تعالى في شأنها :
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ
في سورة الأعراف [ 154 ] . وتنكير
كِتابٍ
للتعظيم . وإجراء الوصفين عليه لتمييزه بأنه كتاب مشرف مراد بقاؤه مأمور بقراءته إذ المسطور هو المكتوب . والسطر : الكتابة الطويلة لأنها تجعل سطورا ، أي صفوفا من الكتاب قال تعالى :
وَما يَسْطُرُونَ
[ القلم : 1 ] ، أي يكتبون . والرّق ( بفتح الراء بعدها قاف مشددة ) الصحيفة تتّخذ من جلد مرقق أبيض ليكتب عليه . وقد جمعها المتلمس في قوله :
فكأنما هي من تقادم عهدها * رقّ أتيح كتابها مسطور
والمنشور : المبسوط غير المطوي قال يزيد بن الطثرية :
صحائف عندي للعتاب طويتها * ستنشر يوما ما والعتاب يطول
أي : أقسم بحال نشره لقراءته وهي أشرف أحواله لأنها حالة حصول الاهتداء به للقارئ والسامع . وكان اليهود يكتبون التوراة في رقوق ملصق بعضها ببعض أو مخيط بعضها ببعض ، فتصير قطعة واحدة ويطوونها طيّا اسطوانيا لتحفظ فإذا أرادوا قراءتها نشروا مطويها ، ومنه