تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
ولما كان الوجه هنا بمعنى الذات وصف ب
ذُو الْجَلالِ
، أي العظمة و
الْإِكْرامِ
، أي المنعم على عباده وإلا فإن الوجه الحقيقي لا يضاف للإكرام في عرف اللغة ، وإنما يضاف للإكرام اليد ، أي فهو لا يفقد عبيده جلاله وإكرامه ، وقد دخل في الجلال جميع الصفات الراجعة إلى التنزيه عن النقص وفي الإكرام جميع صفات الكمال الوجودية وصفات الجمال كالإحسان . وتفريع
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
إنما هو تفريع على جملة
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
كما علمت من أنه يتضمن معاملة خلقه معاملة العظيم الذي لا تصدر عنه السفاسف ، الكريم الذي لا يقطع إنعامه ، وذلك من الآلاء العظيمة . [ 28 ]

[ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 28 ]

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 28 ) تكرير كما تقدم وهذا الموقع ينادي على أن ليست هذه الجملة تذييلا لجملة
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
[ الرحمن : 26 ] ، ولا أن جملة
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
تتضمن نعمة إذ ليس في الفناء نعمة . [ 29 ]

[ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 29 ]

يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 )
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. استئناف ، والمعنى أن الناس تنقرض منهم أجيال وتبقى أجيال وكل باق محتاج إلى أسباب بقائه وصلاح أحواله فهم في حاجة إلى الذي لا يفنى وهو غير محتاج إليهم . ولما أفضى الإخبار إلى حاجة الناس إليه تعالى أتبع بأن الاحتياج عام أهل الأرض وأهل السماء . فالجميع يسألونه ، فسؤال أهل السماوات وهم الملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ويسألون رضى اللّه تعالى ، ومن في الأرض وهم البشر يسألونه نعم الحياة والنجاة في الآخرة ورفع الدرجات في الآخرة . وحذف مفعول
يَسْئَلُهُ
لإفادة التعميم ، أي يسألونه حوائجهم ومهامهم من طلوع الشمس إلى غروبها .
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
. يجوز أن تكون الجملة حالا من ضمير النصب في
يَسْئَلُهُ
أو تذييلا لجملة
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، أي كلّ يوم هو في شأن من الشؤون للسائلين وغيرهم فهو تعالى يبرم شئونا مختلفة من أحوال الموجودات دواما ، ويكون
كُلَّ يَوْمٍ
ظرفا متعلقا