البيان توطئة وتمهيد .
والإرسال مستعار لجعلها آية لصالح . وقد عرف خلق خوارق العادات لتأييد الرسل باسم الإرسال في القرآن كما قال تعالى :
وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
[ الإسراء : 59 ] فشبهت الناقة بشاهد أرسله اللّه لتأييد رسوله . وهذا مؤذن بأن في هذه الناقة معجزة وقد سماها اللّه آية في قوله حكاية عنهم وعن صالح
فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قالَ هذِهِ ناقَةٌ
[ الشعراء : 154 ، 155 ] إلخ .
و
فِتْنَةً لَهُمْ
حال مقدر ، أي تفتنهم فتنة هي مكابرتهم في دلالتها على صدق رسولهم ، وتقدير معنى الكلام : إنا مرسلو الناقة آية لك وفتنة لهم .
وضمير
لَهُمْ
عائد إلى المكذبين منهم بقرينة إسناد التكذيب كما تقدم . واسم الفاعل من قوله :
مُرْسِلُوا النَّاقَةِ
مستعمل في الاستقبال مجازا بقرينة قوله :
فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ
، فعدل عن أن يقال : سنرسل ، إلى صيغة اسم الفاعل الحقيقة في الحال لتقريب زمن الاستقبال من زمن الحال .
والارتقاب : الانتظار ، ارتقب مثل : رقب ، وهو أبلغ دلالة من رقب ، لزيادة المبنى فيه .
وعدي الارتقاب إلى ضميرهم على تقدير مضاف يقتضيه الكلام لأنه لا يرتقب ذواتهم وإنما يرتقب أحوالا تحصل لهم . وهذه طريقة إسناد أو تعليق المشتقات التي معانيها لا تسند إلى الذوات فتكون على تقدير مضاف اختصارا في الكلام اعتمادا على ظهور المعنى . وذلك مثل إضافة التحريم والتحليل إلى الذوات في قوله تعالى :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
[ المائدة : 3 ] . والمعنى : فارتقب ما يحصل لهم من الفتنة عند ظهور الناقة .
والاصطبار : الصبر القوي ، وهو كالارتقاب أيضا أقوى دلالة من الصبر ، أي اصبر صبرا لا يعتريه ملل ولا ضجر ، أي اصبر على تكذيبهم ولا تأيس من النصر عليهم ، وحذف متعلق
اصْطَبِرْ
ليعم كل حال تستدعي الضجر . والتقدير : واصطبر على أذاهم وعلى ما تجده في نفسك من انتظار النصر .
وجملة
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ
معطوفة على جملة
إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ
باعتبار أن الوعد بخلق آية الناقة يقتضي كلاما محذوفا ، تقديره : فأرسلنا لهم الناقة وقلنا نبئهم أن الماء قسمة بينهم على طريقة العطف والحذف في قوله :
فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ