تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
ولما كان ظاهر قوله :
لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ
يوهم أنهم قد يشفعون فلا تقبل شفاعتهم ، وليس ذلك مرادا لأن المراد أنهم لا يجرءون على الشفاعة عند اللّه فلذلك عقب بالاستثناء بقوله :
إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى
، وذلك ما اقتضاه قوله :
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
[ الأنبياء : 28 ] وقوله :
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
[ البقرة : 225 ] أي إلا من بعد أن يأذن اللّه لأحدهم في الشفاعة ويرضى بقبولها في المشفوع له . فالمراد ب
لِمَنْ يَشاءُ
من يشاؤه اللّه منهم ، أي فإذا أذن لأحدهم قبلت شفاعته . واللام في قوله :
لِمَنْ يَشاءُ
هي اللام التي تدخل بعد مادة الشفاعة على المشفوع له فهي متعلقة بشفاعتهم على حد قوله تعالى :
وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
، وليست اللام متعلقة ب
يَأْذَنَ اللَّهُ
. ومفعول
يَأْذَنَ
محذوف دل عليه قوله :
لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ
، وتقديره : أن يأذنهم اللّه . ويجوز أن تكون اللام لتعدية
يَأْذَنَ
إذا أريد به معنى يستمع ، أي أن يظهر لمن يشاء منهم أنه يقبل منه . ومعنى ذلك أن الملائكة لا يزالون يتقربون بطلب إلحاق المؤمنين بالمراتب العليا كما دل عليه قوله تعالى :
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
[ غافر : 7 ] وقوله :
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ
[ الشورى : 5 ] فإن الاستغفار دعاء والشفاعة توجه أعلى ، فالملائكة يعلمون إذا أراد اللّه استجابة دعوتهم في بعض المؤمنين أذن لأحدهم أن يشفع له عند اللّه فيشفع فتقبل شفاعته ، فهذا تقريب كيفية الشفاعة . ونظيره ما ورد في حديث شفاعة محمد صلى اللّه عليه وسلم في موقف الحشر . وعطف
وَيَرْضى
على
لِمَنْ يَشاءُ
للإشارة إلى أن إذن اللّه بالشفاعة يجري على حسب إرادته إذا كان المشفوع له أهلا لأن يشفع له . وفي هذا الإبهام تحريض للمؤمنين أن يجتهدوا في التعرض لرضى اللّه عنهم ليكونوا أهلا للعفو عما فرطوا فيه من الأعمال . [ 27 ، 28 ]

[ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 27 إلى 28 ]

إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى ( 27 ) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ( 28 )
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى ( 27 ) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ
. اعتراض واستطراد لمناسبة ذكر الملائكة وتبعا لما ذكر آنفا من جعل المشركين اللّات والعزى ومناة بنات للّه بقوله :
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى
إلى قوله :
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ