الرعاية للفاصلة .
[ 26 ]
[ سورة النجم ( 53 ) : آية 26 ]
وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى ( 26 )
لما بين اللّه أن أمور الدارين بيد اللّه تعالى وأن ليس للإنسان ما تمنّى ، ضرب لذلك مثالا من الأماني التي هي أعظم أمانيّ المشركين وهي قولهم في الأصنام
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] ، وقولهم :
هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
[ يونس : 18 ] ، فبيّن إبطال قولهم بطريق فحوى الخطاب وهو أن الملائكة الذين لهم شرف المنزلة لأن الملائكة من سكان السماوات ( فهم لا يستطيعون إنكار أنهم أشرف من الأصنام ) لا يملكون الشفاعة إلا إذا أذن اللّه أن يشفع إذا شاء أن يقبل الشفاعة في المشفوع له ، فكيف يكون للمشركين ما تمنوا من شفاعة الأصنام للمشركين الذين يقولون
هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
وهي حجارة في الأرض وليست ملائكة في السماوات ، فثبت أن لا شفاعة إلا لمن شاء اللّه ، وقد نفي اللّه شفاعة الأصنام فبطل اعتقاد المشركين أنهم شفعاؤهم ، فهذه مناسبة عطف هذه الجملة على جملة
أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى
[ النجم : 24 ] . وليس هذا الانتقال اقتضابا لبيان عظم أمر الشفاعة .
و
كَمْ
اسم يدل على كثرة العدد وهو مبتدأ والخبر
لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ
.
وقد تقدم الكلام على
كَمْ
في قوله تعالى :
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ
في سورة البقرة [ 211 ] ، وقوله :
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها
في الأعراف [ 4 ] .
و
فِي السَّماواتِ
صفة ل
مَلَكٍ
. والمقصود منها بيان شرفهم بشرف العالم الذي هم أهله ، وهو عالم الفضائل ومنازل الأسرار .
وجملة
لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ
إلخ ، خبر عن
كَمْ
، أي لا تغني شفاعة أحدهم فهو عام لوقوع الفعل في سياق النفي ، ولإضافة شفاعة إلى ضميرهم ، أي جميع الملائكة على كثرتهم وعلوّ مقدارهم لا تغني شفاعة واحد منهم .
و
شَيْئاً
مفعول مطلق للتعميم ، أي شيئا من الإغناء لزيادة التنصيص على عموم نفي إغناء شفاعتهم .