تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
ومتعلّق
يُوحى
محذوف تقديره : إليه ، أي إلى صاحبكم . وترك فاعل الوحي لضرب من الإجمال الذي يعقبه التفصيل لأنه سيرد بعده ما يبينه من قوله :
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
. وجملة
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
إلخ ، مستأنفة استئنافا بيانيا لبيان كيفية الوحي . وضمير الغائب في
عَلَّمَهُ
عائد إلى الوحي ، أو إلى ما عاد إليه ضمير
هُوَ
من قوله :
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ
. وضمير
هُوَ
يعود إلى القرآن ، وهو ضمير في محلّ أحد مفعولي ( علّم ) وهو المفعول الأول ، والمفعول الثاني محذوف ، والتقدير : علمه إياه ، يعود إلى
صاحِبُكُمْ
[ النجم : 2 ] ويجوز جعل هاء
عَلَّمَهُ
عائدا إلى
صاحِبُكُمْ
والمحذوف عائد إلى
وَحْيٌ
إبطالا لقول المشركين
إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ
[ النحل : 103 ] . و ( علّم ) هنا متعدّ إلى مفعولين لأنه مضاعف ( علم ) المتعدي إلى مفعول واحد . و
شَدِيدُ الْقُوى
: صفة لمحذوف يدل عليه ما يذكر بعد مما هو من شؤون الملائكة ، أي ملك شديد القوى . واتفق المفسرون على أن المراد به جبريل عليه السلام . والمراد ب
الْقُوى
استطاعة تنفيذ ما يأمر اللّه به من الأعمال العظيمة العقيلة والجسمانية ، فهو الملك الذي ينزل على الرّسل بالتبليغ . والمرّة ، بكسر الميم وتشديد الراء المفتوحة ، تطلق على قوة الذات وتطلق على متانة العقل وأصالته ، وهو المراد هنا لأنه قد تقدم قبله وصفه بشديد القوى ، وتخصيص جبريل بهذا الوصف يشعر بأنه الملك الذي ينزل بفيوضات الحكمة على الرسل والأنبياء ، ولذلك لما ناول الملك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء كأس لبن وكأس خمر ، فاختار اللبن قال له جبريل : اخترت الفطرة ولو أخذت الخمر غوت أمتك . وقوله :
فَاسْتَوى
مفرع على ما تقدم من قوله :
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
. والفاء لتفصيل
عَلَّمَهُ
، والمستوي هو جبريل . ومعنى استوائه : قيامه بعزيمة لتلقي رسالة اللّه ، كما يقال : استقل قائما ، ومثل : بين يدي فلان ، فاستواء جبريل هو مبدأ التهيّؤ لقبول الرسالة من عند اللّه ، ولذلك قيد هذا الاستواء بجملة الحال في قوله :
وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى
. والضمير لجبريل لا محالة ، أي قبل أن ينزل إلى العالم الأرضي . والأفق : اسم للجو الذي يبدو للناظر ملتقى بين طرف منتهى النظر من الأرض وبين