تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
سجية تلك فيهم غير محدثة * إنّ الخلائق فاعلم شرّها البدع
قال في « الكشاف » : وهذا الكلام يسميه علماء البيان التفسير ، يريد أنه من المحسنات البديعية . ونقل عن الزمخشري أنه أنشد لنفسه لمّا فسر لطلبته هذه الآية فقيد عنه في الحواشي قوله :
به فجع الفرسان فوق خيولهم * كما فجعت تحت الستور العواتق
تساقط من أيديهم البيض حيرة * وزعزع عن أجيادهن المخانق
وفي هذه الآية محسّن الطباق مرتين بين
الَّذِينَ كَفَرُوا
و
الَّذِينَ آمَنُوا
وبين
الْحَقُّ
و
الْباطِلَ
. وفي بيتي الزمخشري محسّن الطباق مرة واحدة بين فوق وتحت . واتباع الباطل واتباع الحق تمثيليتان لهيئتي العمل بما يأمر به أئمة الشرك أولياءهم وما يدعو إليه القرآن ، أي عملوا بالباطل وعمل الآخرون بالحق . ووصف
الْحَقَّ
بأنه
مِنْ رَبِّهِمْ
تنويه به وتشريف لهم .
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ
. تذييل لما قبله ، أي مثل ذلك التبيين للحالين يبين اللّه الأحوال للناس بيانا واضحا . والمعنى : قد بيّنا لكل فريق من الكافرين والمؤمنين حاله تفصيلا وإجمالا ، وما تفضي إليه من استحقاق المعاملة بحيث لم يبق خفاء في كنه الحالين ، ومثل ذلك البيان يمثل اللّه للناس أحوالهم كيلا تلتبس عليهم الأسباب والمسببات . ومعنى
يَضْرِبُ
: يلقي وهذا إلقاء تبيين بقرينة السياق ، وتقدم عند قوله تعالى :
أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما
في سورة البقرة [ 26 ] . والأمثال : جمع مثل بالتحريك وهو الحال التي تمثل صاحبها ، أي تشهره للناس وتعرفهم به فلا يلتبس بنظائره . واللام للأجل ، والمراد بالناس جميع الناس . وضمير
أَمْثالَهُمْ
للناس . والمعنى : كهذا التبيين يبيّن اللّه للناس أحوالهم فلا يبقوا في غفلة عن شؤون أنفسهم محجوبين عن تحقق كنههم بحجاب التعود لئلا يختلط الخبيث بالطيب ، ولكي يكونوا على بصيرة في شؤونهم ، وفي هذا إيماء إلى وجوب التوسم لتمييز المنافقين عن المسلمين حقا ، فإن من مقاصد السورة التحذير من المنافقين .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 65 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور