تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
هذا مقابل فريق الذين كفروا وهو فريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وإيراد الموصول وصلته للإيماء إلى وجه بناء الخبر وعلته ، أي لأجل إيمانهم إلخ كفّر عنهم سيئاتهم . وقد جاء في مقابلة الأوصاف الثلاثة التي أثبتت للذين كفروا بثلاثة أوصاف ضدها للمسلمين وهي : الإيمان مقابل الكفر ، والإيمان بما نزل على محمد صلى اللّه عليه وسلّم مقابل الصد عن سبيل اللّه ، وعمل الصالحات مقابل بعض ما تضمنه
أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ
[ محمد : 1 ] ، و
كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ
مقابل بعض آخر مما تضمنه
أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ
،
وَأَصْلَحَ بالَهُمْ
مقابل بقية ما تضمنه
أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ
. وزيد في جانب المؤمنين التنويه بشأن القرآن بالجملة المعترضة قوله :
وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ
وهو نظير لوصفه بسبيل اللّه في قوله :
وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
[ محمد : 1 ] . وعبر عن الجلالة هنا بوصف الربّ زيادة في التنويه بشأن المسلمين على نحو قوله :
وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ
[ محمد : 11 ] فلذلك لم يقل : وصدّوا عن سبيل ربهم . وتكفير السيئات غفرانها لهم فإنهم لما عملوا الصالحات كفّر اللّه عنهم سيئاتهم التي اقترفوها قبل الإيمان ، وكفر لهم الصغائر ، وكفر عنهم بعض الكبائر بمقدار يعلمه إذا كانت قليلة في جانب أعمالهم الصالحات كما قال تعالى :
خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
[ التوبة : 102 ] . والبال : يطلق على القلب ، أي العقل وما يخطر للمرء من التفكير وهو أكثر إطلاقه ولعله حقيقة فيه ، قال امرؤ القيس :
فعادي عداء بين ثور ونعجة * وكان عداء الوحش منّي على بال
وقال : عليه القتام سيئ الظن والبال ومنه قولهم : ما بالك ؟ أي ما ذا ظننت حين فعلت كذا ، وقولهم : لا يبالي ، كأنه مشتق منه ، أي لا يخطر بباله ، ومنه بيت العقيلي في الحماسة :
ونبكي حين نقتلكم عليكم * ونقتلكم كأنّا لا نبالي
أي لا نفكر .