تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
والعزم المحمود في الدين : العزم على ما فيه تزكية النفس وصلاح الأمة ، وقوامه الصبر على المكروه وباعث التقوى ، وقوته شدة المراقبة بأن لا يتهاون المؤمن عن محاسبته نفسه قال تعالى :
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
[ آل عمران : 186 ] وقال :
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
[ طه : 115 ] . وهذا قبل هبوط آدم إلى عالم التكليف ، وعلى هذا تكون
مِنَ
في قوله :
مِنَ الرُّسُلِ
تبعيضية . وعن ابن عباس أنه قال : كل الرسل أولو عزم ، وعليه تكون
مِنَ
بيانية . وهذه الآية اقتضت أن محمدا صلى اللّه عليه وسلّم من أولي العزم لأن تشبيه الصبر الذي أمر به بصبر أولي العزم من الرسل يقتضي أنه مثلهم لأنه ممتثل أمر ربه ، فصبره مثيل لصبرهم ، ومن صبر صبرهم كان منهم لا محالة . وأعقب أمره بالصبر بنهيه عن الاستعجال للمشركين ، أي الاستعجال لهم بالعذاب ، أي لا تطلب منا تعجيله لهم وذلك لأن الاستعجال ينافي العزم ولأن في تأخير العذاب تطويلا لمدة صبر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بكسب عزمه قوة . ومفعول
تَسْتَعْجِلْ
محذوف دل عليه المقام ، تقديره : العذاب أو الهلاك . واللام في
لَهُمْ
لام تعدية فعل الاستعجال إلى المفعول لأجله ، أي لا تستعجل لأجلهم ، والكلام على حذف مضاف إذ التقدير : لا تستعجل لهلاكهم . وجملة
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ
تعليل للنهي عن الاستعجال لهم بالعذاب بأن العذاب واقع بهم فلا يؤثر في وقوعه تطويل أجله ولا تعجيله ، قال مرة بن عداء الفقعسي ، ولعله أخذ قوله من هذه الآية :
كأنك لم تسبق من الدّهر ليلة * إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب
وهم عند حلوله منذ طول المدة يشبه حالهم حال عدم المهلة إلا ساعة قليلة . و
مِنْ نَهارٍ
وصف الساعة ، وتخصيصها بهذا الوصف لأن ساعة النهار تبدو للناس قصيرة لما للناس في النهار من الشواغل بخلاف ساعة الليل تطول إذ لا يجد الساهر شيئا يشغله . فالتنكير للتقليل كما في حديث الجمعة قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « وفيه ساعة يستجاب فيها الدعاء » ، وأشار بيده يقللها ، والساعة جزء من الزمن .
بَلاغٌ
. فذلكة لما تقدم بأنه بلاغ للناس مؤمنهم وكافرهم ليعلم كلّ حظّه من ذلك ، فقوله :