تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
وزعم أبو حيان أن مثله مقصور على السماع . قلت : وهو راجع إلى تنازع العاملين . وعلى هذا الرأي يكون قوله تعالى هنا
وَلَمْ يَعْيَ
دالا على سعة علمه تعالى بدقائق ما يقتضيه نظام السماوات والأرض ليوجدهما وافيين به . وتكون دلالته على أنه قدير على إيجادهما بدلالة الفحوى أو يكون إيكال أمر قدرته على خلقهما إلى علم المخاطبين ، لأنهم لم ينكروا ذلك ، وإنما قصد تنبيههم إلى ما في نظام خلقهما من الدقائق والحكم ومن جملتها لزوم الجزاء على عمل الصالحات والسيئات . وعليه أيضا تكون تعدية فعل
يَعْيَ
بالباء متعينة . وقرأ الجمهور
بِقادِرٍ
بالموحدة بصيغة اسم الفاعل . وقرأه يعقوب يقدر بتحتية في أوله على أنه مضارع من القدرة ، وتكون جملة يقدر في محل خبر
أَنَّ
. وجملة
إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
تذييل لجملة
بَلى
لأن هذه تفيد القدرة على خلق السماوات والأرض وإحياء الموتى وغير ذلك من الموجودات الخارجة عن السماوات والأرض . وتأكيد الكلام بحرف ( أنّ ) لرد إنكارهم أن يمكن إحياء اللّه الموتى ، لأنهم لما أحالوا ذلك فقد أنكروا عموم قدرته تعالى على كل شيء . ولهذه النكتة جيء في القدرة على إحياء الموتى بوصف
بِقادِرٍ
، وفي القدرة على كل شيء بوصف
قَدِيرٌ
الذي هو أكثر دلالة على القدرة من وصف قادر . [ 34 ]

[ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 34 ]

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 34 ) موقع هذا الكلام أن عرض المشركين على النار من آثار الجزاء الواقع بعد البعث ، فلما ذكر في الآية التي قبلها الاستدلال على إمكان البعث أعقب بما يحصل لهم يوم البعث جمعا بين الاستدلال والإنذار ، وذكر من ذلك ما يقال لهم مما لا مندوحة لهم عن الاعتراف بخطئهم جمعا بين ما ردّ به في الدنيا من قوله :
بَلى
« 1 » [ الأحقاف : 33 ] وما يردون في علم أنفسهم يوم الجزاء بقولهم :
بَلى وَرَبِّنا
. والجملة عطف على جملة
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ الأحقاف : 33 ] إلخ . وأول الجملة المعطوفة قوله :
أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ
لأنه مقول فعل قول محذوف تقديره : ويقال للذين كفروا يوم
هامش
( 1 ) في المطبوعة : فله .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 55 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور