تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
تعليل للأمر بالإيمان وتعريض له بالتهديد من أن يحق عليه وعد اللّه . والأساطير : جمع أسطورة وهي القصة وغلب إطلاقها على القصة الباطلة أو المكذوبة كما يقال : خرافة ، وتقدم في قوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
في سورة النحل [ 24 ] وفي قوله :
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها
في سورة الفرقان [ 5 ] . [ 18 ]

[ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 18 ]

أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ( 18 ) يجوز أن يكون اسم الإشارة مشيرا إلى الذي قال لديه هذه المقالة لما علمت أن المراد به فريق ، فجاءت الإشارة إليه باسم إشارة الجماعة بتأويل الفريق . ويجوز أن يكون
أُولئِكَ
إشارة إلى
الْأَوَّلِينَ
من قوله :
فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
[ الأحقاف : 17 ] ، وهم الذين روي أن ابن أبي بكر ذكرهم حين قال : فأين عبد اللّه بن جدعان ، وأين عثمان بن عمرو ، ومشايخ قريش كما تقدم آنفا . واستحضار هذا الفريق بطريق اسم الإشارة لزيادة تمييز حالهم العجيبة . وتعريف
الْقَوْلُ
تعريف العهد وهو قول معهود عند المسلمين لما تكرر في القرآن من التعبير عنه بالقول في نحو آية
قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
[ ص : 84 ، 85 ] ، ونحو قوله :
أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ
[ الزمر : 19 ] ، فإن الكلمة قول ، ونحو قوله :
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ يس : 7 ] الآية . وإطلاقه في هذه الآية رشيق لصلوحية . وإقحام
كانُوا خاسِرِينَ
دون أن يقال : إنهم خاسرون ، للإشارة إلى أن خسرانهم محقق فكني عن ذلك بجعلهم كائنين فيه . وتأكيد الكلام بحرف ( إنّ ) لأنهم يظنون أن ما حصل لهم في الدنيا من التمتع بالطيبات فوزا ليس بعده نكد لأنهم لا يؤمنون بالبعث والجزاء ، فشبهت حالة ظنهم هذا بحال التاجر الذي قل ربحه من تجارته فكان أمره خسرا ، وقد تقدم غير مرة منها قوله تعالى :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
في البقرة [ 16 ] . وإيراد فعل الكون بقوله :
كانُوا خاسِرِينَ
دون الاقتصار على
خاسِرِينَ
لأن
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 34 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور