تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
تزول عن كبد السماء قد مالت إلى الغروب وينتهي بغروبها ، وشمل ذلك وقت صلاة الظهر والعصر ، وذلك معلوم للنبي صلى اللّه عليه وسلّم وتسبيح الليل بصلاتي المغرب والعشاء لأن غروب الشمس مبدأ الليل ، فإنهم كانوا يؤرخون بالليالي ويبتدئون الشهر بالليلة الأولى التي بعد طلوع الهلال الجديد عقب غروب الشمس . وقيل هذه المذكورات كلها نوافل ، فالذي قبل طلوع الشمس ركعتا الفجر ، والذي قبل الغروب ركعتان قبل غروب الشمس قاله أبو برزة وأنس بن مالك ، والذي من الليل قيام الليل قاله مجاهد . ويأتي على هذا الوجه الاختلاف في محمل الأمر على الندب إن كانا عاما أو على الوجوب إن كانا خاصا بالنبيء صلى اللّه عليه وسلّم كما سيأتي في سورة المزمل . وقريب من هذه الآية قوله تعالى :
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا
في سورة الإنسان [ 24 - 26 ] . وقريب منها أيضا قوله تعالى :
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ
في سورة الطور [ 48 ، 49 ] . وأما قوله :
وَأَدْبارَ السُّجُودِ
فيجوز أن يكون معطوفا على قوله :
قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
، ويجوز أن يكون معطوفا على قوله :
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ
. والإدبار : بكسر الهمزة حقيقته : الانصراف لأن المنصرف يستدبر من كان معه ، واستعير هنا للانقضاء ، أي انقضاء السجود ، والسجود : الصلاة ، قال تعالى :
وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ
. وانتصابه على النيابة عن الظرف لأن المراد : وقت إدبار السجود . وقرأه نافع وابن كثير وأبو جعفر وحمزة وخلف بكسر همزة إدبار . وقرأه الباقون بفتح الهمزة على أنه جمع : دبر ، بمعنى العقب والآخر ، وعلى كلتا القراءتين هو وقت انتهاء السجود . ففسر السجود بالحمل على الجنس ، أي بعد الصلوات قاله ابن زيد ، فهو أمر بالرواتب التي بعد الصلوات ، وهو عام خصصته السنة بأوقات النوافل ، ومجمل بينت السنة مقاديره ، وبينت أن الأمر فيه أمر ندب وترغيب لا أمر إيجاب . وعن المهدوي أنه كان فرضا فنسخ بالفرائض . وحمل على العهد فقال جمع من الصحابة والتابعين هو صلاة المغرب ، أي الركعتان بعدها . وعن ابن عباس أنه الوتر . والفاء في قوله :
فَسَبِّحْهُ
للتفريع على قوله :
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
على أن يكون
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 273 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور