تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
وفيه دلالة على أن الموجودات مشوقة إلى الإيفاء بما خلقت له كما قال الشيطان
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الأعراف : 16 ] . وفيه دلالة على إظهار الامتثال لما خلقها اللّه لأجله ، ولأنها لا تتلكّأ ولا تتعلل في أدائه على أكمل حال في بابه . والمزيد : مصدر ميمي ، وهو الزيادة مثل المجيد والحميد . ويجوز أن يكون اسم مفعول من زاد ، أي هل من جماعة آخرين يلقون فيّ . [ 31 - 35 ]

[ سورة ق ( 50 ) : الآيات 31 إلى 35 ]

وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ( 31 ) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ( 32 ) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ( 33 ) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ( 34 ) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ( 35 ) عطف
وَأُزْلِفَتِ
على يقول لجهنم . فالتقدير : يوم أزلفت الجنة للمتقين وهو رجوع إلى مقابل حالة الضالّين يوم ينفخ في الصور ، فهذه الجملة متصلة في المعنى بجملة
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ
[ ق : 21 ] ولو اعتبرت معطوفة عليها لصح ذلك إلا أن عطفها على جملة يوم يقول
لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ
[ ق : 30 ] غنية عن ذلك ولا سيما مع طول الكلام . والإزلاف : التقريب مشتق من الزلف بالتحريك وهو القربة ، وقياس فعله أنه كفرح كما دل عليه المصدر ولم يرو في كلامهم ، أي جعلت الجنة قريبا من المتقين ، أي ادنوا منها . والجنة موجودة من قبل ورود المتّقين إليها فإزلافها قد يكون بحشرهم للحساب بمقربة منها كرامة لهم عن كلفة المسير إليها ، وقد يكون عبارة عن تيسير وصولهم إليها بوسائل غير معروفة في عادة أهل الدنيا . وقوله :
غَيْرَ بَعِيدٍ
يرجح الاحتمال الأول ، أي غير بعيد منهم وإلّا صار تأكيدا لفظيا ل
أُزْلِفَتِ
كما يقال : عاجل غير آجل ، وقوله :
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى
[ طه : 79 ] والتأسيس أرجح من احتمال التأكيد . وانتصب
غَيْرَ بَعِيدٍ
على الظرفية باعتبار أنه وصف لظرف مكان محذوف . والتقدير : مكانا غير بعيد ، أي عن المتقين . وهذا الظرف حال من
الْجَنَّةُ
. وتجريد
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 265 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور