تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
المتبعين لما تضمنه من أسباب الخير في الدنيا والآخرة . ووصف الكتاب بالمصدر مبالغة في الاستعارة ، وموسى أيضا رحمة لرسالته كما وصف محمد صلى اللّه عليه وسلّم بذلك في قوله :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] . وقوله :
وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ
إلخ هو المقيس على
كِتابُ مُوسى
. والإشارة إلى القرآن لأنه حاضر بالذكر فهو كالحاضر بالذات . والمصدّق : المخبر بصدق غيره . وحذف مفعول المصدّق ليشمل جميع الكتب السماوية ، قال تعالى :
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ *
، أي مخبر بأحقيّة كل المقاصد التي جاءت بها الكتب السماوية السالفة . وهذا ثناء عظيم على القرآن بأنه احتوى على كل ما في الكتب السماوية وجاء مغنيا عنها ومبينا لما فيها . والتصديق يشعر بأنه حاكم على ما اختلف فيه منها . وما حرّف فهمه بها قال تعالى :
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ
[ المائدة : 48 ] . وزاده ثناء بكونه
لِساناً عَرَبِيًّا
، أي لغة عربيّة فإنها أفصح اللغات وأنفذها في نفوس السامعين وأحب اللغات للناس ، فإنها أشرف وأبلغ وأفصح من اللغة التي جاء بها كتاب موسى ، ومن اللغة التي تكلّم بها عيسى ودوّنها أتباعه أصحاب الأناجيل . وأدمج لفظ
لِساناً
للدلالة على أن المراد بعربيته عربية ألفاظه لا عربيّة أخلاقه وتعاليمه لأن أخلاق العرب يومئذ مختلطة من محاسن ومساو فلما جاء الإسلام نفى عنها المساوي ، ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق » . وغلب إطلاق اللسان على اللغة لأن أشرف ما يستعمل فيه اللسان هو الكلام قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
[ إبراهيم : 4 ] ، وقال :
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ *
[ مريم : 97 ] . وقوله : لتنذر
الَّذِينَ ظَلَمُوا
يجوز أن يتعلق ب
وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ
لأن ما سبقه مشتمل على الإنذار والبشارة والأحسن أن يتعلق بما في
كِتابُ
من معنى الإرشاد المشتمل على الإنذار والبشارة . وهذا أحسن ليكون لتنذر علة للكتاب باعتبار صفته وحاله . والذين ظلموا هم المشركون
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] ويلحق بهم الذين ظلموا أنفسهم من المؤمنين ولذلك قوبل بالمحسنين وهم المؤمنون الأتقياء لأن المراد ظلم النفس ويقابله الإحسان . والنّذارة مراتب والبشارة مثلها .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 22 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور