وهذا التفسير جار على ما اختاره ابن الحاجب في « الأمالي » دون ما ذهب إليه صاحب « الكشاف » ، فإنه تكلف له تكلفا غير شاف .
[ 12 ]
[ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 12 ]
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ( 12 )
أتبع إبطال ترّهاتهم الطاعنة في القرآن بهذا الكلام المفيد زيادة الإبطال لمزاعمهم بالتذكير بنظير القرآن ومثيل له من كتب اللّه تعالى هو مشهور عندهم وهو « التوراة » مع التنويه بالقرآن ومزيته والنعي عليهم إذ حرموا أنفسهم الانتفاع بها ، فعطفت هذه الآية على التي قبلها لارتباطها بها في إبطال مزاعمهم وفي أنها ناظرة إلى قوله :
وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ
[ الأحقاف : 10 ] كما تقدم .
ففي قوله :
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى
إبطال لإحالتهم أن يوحي اللّه إلى محمد صلى اللّه عليه وسلّم بأن الوحي سنّة إلهية سابقة معلومة أشهره « كتاب موسى » ، أي « التوراة » وهم قد بلغتهم نبوءته من اليهود . وضمير
مِنْ قَبْلِهِ
عائد إلى القرآن . وتقديم
مِنْ قَبْلِهِ
للاهتمام بهذا الخبر لأنه محل القصد من الجملة .
وعبر عن « التّوراة » ب
كِتابُ مُوسى
بطريق الإضافة دون الاسم العلم وهو « التوراة » لما تؤذن به الإضافة إلى اسم موسى من التذكير بأنه كتاب أنزل على بشر كما أنزل القرآن على محمد صلى اللّه عليه وسلّم تلميحا إلى مثار نتيجة قياس القرآن على « كتاب موسى » بالمشابهة في جميع الأحوال .
و
إِماماً وَرَحْمَةً
حالان من
كِتابُ مُوسى
، ويجوز كونهما حالين من
مُوسى
والمعنيان متلازمان .
والإمام : حقيقته الشيء الذي يجعله العامل مقياسا لعمل شيء آخر ويطلق إطلاقا شائعا على القدوة قال تعالى :
وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً
[ الفرقان : 74 ] . وأصل هذا الإطلاق استعارة صارت بمنزلة الحقيقة ، واستعير الإمام لكتاب موسى لأنه يرشد إلى ما يجب عمله فهو كمن يرشد ويعظ ، وموسى إمام أيضا بمعنى القدوة .
والرحمة : اسم مصدر لصفة الراحم وهي من صفات الإنسان فهي ، رقة في النفس تبعث على سوق الخير لمن تتعدى إليه . ووصف الكتاب بها استعارة لكونه سببا في نفع