تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
وفي « صحيح البخاري » : قال ابن الزبير فما كان عمر يسمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بعد هذه الآية حتى يستفهمه . ولم يذكر أي ابن الزبير ذلك عن أبيه يعني أبا بكر ولكن أخرج الحاكم وعبد بن حميد عن أبي هريرة : أن أبا بكر قال بعد نزول هذه الآية ( والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول اللّه لا أكلمك إلّا كأخي السّرار حتى ألقى اللّه ) . وفي « صحيح البخاري » قال ابن أبي مليكة « كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رفعا أصواتهما عند النبي صلى اللّه عليه وسلّم » . وهذا النهي مخصوص بغير المواضع التي يؤمر بالجهر فيها كالأذان وتكبير يوم العيد ، وبغير ما أذن فيه النبي صلى اللّه عليه وسلّم إذنا خاصا كقوله للعباس حين انهزم المسلمون يوم حنين « ناد يا أصحاب السّمرة » وكان العباس جهير الصوت . وقوله :
وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ
نهي عن جهر آخر وهو الجهر بالصوت عند خطابهم الرسول صلى اللّه عليه وسلّم لوجوب التغاير بين مقتضى قوله :
لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ
النبي ومقتضى
وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ
. واللام في
لَهُ
لتعدية
تَجْهَرُوا
لأن
تَجْهَرُوا
في معنى : تقولوا ، فدلت اللام على أن هذا الجهر يتعلق بمخاطبته ، وزاده وضوحا التشبيه في قوله :
كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ
. وفي هذا النهي ما يشمل صنيع الذين نادوا النبي صلى اللّه عليه وسلّم من وراء الحجرات فيكون تخلصا من المقدمة إلى الغرض المقصود ، ويظهر حسن موقع قوله بعده
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
[ الحجرات : 4 ] . و
أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ
في محل نصب على نزع الخافض وهو لام التعليل وهذا تعليل للمنهي عنه لا للنهي ، أي أن الجهر له بالقول يفضي بكم إن لم تكفوا عنه أن تحبط أعمالكم ، فحبط الأعمال بذلك ما يحذر منه فجعله مدخولا للام التعليل مصروف عن ظاهر . فالتقدير : خشية أن تحبط أعمالكم ، كذا يقدّر نحاة البصرة في هذا وأمثاله . والكوفيون يجعلونه بتقدير ( لا ) النافية فيكون التقدير : أن لا تحبط أعمالكم فيكون تعليلا للنهي على حسب الظاهر . والحبط : تمثيل لعدم الانتفاع بالأعمال الصالحة بسبب ما يطرأ عليها من الكفر مأخوذ من حبطت الإبل إذا أكلت الخضر فنفخ بطونها وتعتلّ وربما هلكت . وفي الحديث