تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
وعطف
وَاتَّقُوا اللَّهَ
تكملة للنهي عن التقدم بين يدي الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ليدل على أن ترك إبرام شيء دون إذن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم من تقوى اللّه وحده ، أي ضده ليس من التقوى وجملة
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
في موضع العلة للنهي عن التقدم بين يدي اللّه ورسوله وللأمر بتقوى اللّه . والسميع : العليم بالمسموعات ، والعليم أعم وذكرها بين الصفتين كناية عن التحذير من المخالفة ففي ذلك تأكيد للنهي والأمر . [ 2 ]

[ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 2 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 2 ) إعادة النداء ثانيا للاهتمام بهذا الغرض والإشعار بأنه غرض جدير بالتنبيه عليه بخصوصه حتى لا ينغمر في الغرض الأول فإن هذا من آداب سلوك المؤمنين في معاملة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ومقتضى التأدب بما هو آكد من المعاملات بدلالة الفحوى . وهذا أيضا توطئة لقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
[ الحجرات : 4 ] وإلقاء لتربية ألقيت إليهم لمناسبة طرف من أطراف خبر وفد بني تميم . والرفع : مستعار لجهر الصوت جهرا متجاوزا لمعتاد الكلام ، شبه جهر الصوت بإعلاء الجسم في أنه أشدّ بلوغا إلى الأسماع كما أن إعلاء الجسم أوضح له في الإبصار ، على طريقة الاستعارة المكنية ، أو شبه إلقاء الكلام بجهر قويّ بإلقائه من مكان مرتفع كالمئذنة على طريقة الاستعارة التبعية . و
فَوْقَ صَوْتِ
النبي ترشيح لاستعارة
لا تَرْفَعُوا
وهو فوق مجازي أيضا . وموقع قوله :
فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
موقع الحال من
أَصْواتَكُمْ
، أي متجاوزة صوت النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، أي متجاوزة المعتاد في جهر الأصوات فإن النبي صلى اللّه عليه وسلّم يتكلم بجهر معتاد . ولا مفهوم لهذا الظرف لأنه خارج مخرج الغالب ، إذ ليس المراد أنه إذا رفع النبي صلى اللّه عليه وسلّم صوته فارفعوا أصواتكم بمقدار رفعه . والمعنى : لا ترفعوا أصواتكم في مجلسه وبحضرته إذا كلم بعضكم بعضا كما وقع في سورة سبب النزول . ولقد تحصل من هذا النهي معنى الأمر بتخفيض الأصوات عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إذ ليس المراد أن يكونوا سكوتا عنده .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 183 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور