تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
لتطبيق هذه الآية هو البشارة الرمزية التي في الإصحاح الثالث والثلاثين من « سفر التثنية » من قول موسى عليه السلام : « جاء الرب من سينا وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران ، وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم فأحبّ الشعب جميع قديسيه وهم جالسون عند قدمك يتقبلون من أقوالك » فإن جبل فاران هو حيال الحجاز . وقوله : « فأحب الشعب جميع قديسيه » يشير إليه قوله :
رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[ الفتح : 29 ] ، وقد تقدم من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص ما ينطبق على هذا من سورة الفتح وقوله : قديسيه يفيد معنى
تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً
[ الفتح : 29 ] ومعنى
سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
[ الفتح : 29 ] . وقوله في « التوراة » « جالسون عند قدمك » يفيد معنى قوله تعالى :
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً
[ الحشر : 8 ] . ويكون قوله تعالى :
ذلِكَ
إشارة إلى ما ذكر من الوصف .
وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ
. ابتداء كلام مبتدأ . ويكون الوقف على قوله :
فِي التَّوْراةِ
والتشبيه في قوله :
كَزَرْعٍ
خبره ، وهو المثل . وهذا هو الظاهر من سياق الآية فيكون مشيرا إلى نحو قوله في « إنجيل متى » الإصحاح 13 فقرة 3 « هو ذا الزارع قد خرج ليزرع يعني عيسى عليه السّلام وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق فجاءت الطيور وأكلته » إلى أن قال « وسقط الآخر على الأرض الجيدة فأعطى ثمره بعض مائة وآخر ستين وآخر ثلاثين » . قال فقرة ، ثم قال : « وأما المزروع على الأرض الجيدة فهو الذي يسمع الكلمة ويفهم ، وهو الذي يأتي بثمر فيصنع بعض مائة وبعض ستين وآخر ثلاثين » . وهذا يتضمن نماء الإيمان في قلوبهم وبأنهم يدعون الناس إلى الدين حتى يكثر المؤمنون كما تنبت الحبة مائة سنبلة وكما تنبت من النواة الشجرة العظيمة . وفي قوله :
أَخْرَجَ شَطْأَهُ
استعارة الإخراج إلى تفرع الفراخ من الحبة لمشابهة التفرع بالخروج ومشابهة الأصل المتفرع عنه بالذي يخرج شيئا من مكان . والشطء بهمزة في آخره وسكون الطاء : فراخ الزرع وفروع الحبّة . ويقال : أشطأ الزرع ، إذا أخرج فروعا . وقرأه الجمهور بسكون الطاء وبالهمزة وقرأه ابن كثير
شَطْأَهُ
بفتح الطاء بعدها ألف على تخفيف الهمزة ألفا . و
فَآزَرَهُ
قوّاه ، وهو من المؤازرة بالهمز وهي المعاونة وهو مشتق من اسم الإزار لأنه يشد ظهر المتّزر به ويعينه شده على العمل والحمل كذا قيل . والأظهر عندي عكس ذلك وهو أن يكون الإزار مشتقا اسمه من : آزر ، لأن الاشتقاق من الأسماء الجامدة نادر