تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
الإشارة إلى الحكمة التي اقتضت مشيئة اللّه رحمة أولئك . وجواب
لَوْ لا
يجوز اعتباره محذوفا دل عليه جواب
لَوْ
المعطوفة على
لَوْ لا
في قوله :
لَوْ تَزَيَّلُوا
، ويجوز اعتبار جواب
لَوْ
مرتبطا على وجه تشبيه التنازع بين شرطي
لَوْ لا
و
لَوْ
لمرجع الشرطين إلى معنى واحد وهو الامتناع فإن
لَوْ لا
حرف امتناع لوجود أي تدلّ على امتناع جوابها لوجود شرطها . و
لَوْ
حرف امتناع لامتناع ، أي تدل على امتناع جوابها لامتناع شرطها فحكم جوابيهما واحد ، وهو الامتناع ، وإنما يختلف شرطاهما فشرط
لَوْ
منتف وشرط
لَوْ لا
مثبت . وضمير
تَزَيَّلُوا
عائد إلى ما دل عليه قوله :
وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ
إلخ من جمع مختلط فيه المؤمنون والمؤمنات مع المشركين كما دل عليه قوله :
لَمْ تَعْلَمُوهُمْ
. والتزيّل : مطاوع زيّله إذا أبعده عن مكان ، وزيلهم ، أي أبعد بعضهم عن بعض ، أي فرقهم قال تعالى :
فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ
[ يونس : 28 ] وهو هنا بمعنى التفرق والتميز من غير مراعاة مطاوعة لفعل فاعل لأن أفعال المطاوعة كثيرا ما تطلق لإرادة المبالغة لدلالة زيادة المبنى على زيادة المعنى وذلك أصل من أصول اللغة . والمعنى : لو تفرق المؤمنون والمؤمنات عن أهل الشرك لسلّطنا المسلمين على المشركين فعذّبوا الذين كفروا عذاب السيف . فإسناد التعذيب إلى اللّه تعالى لأنه يأمر به ويقدر النصر للمسلمين كما قال تعالى :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
في سورة براءة [ 14 ] . و ( من ) في قوله :
مِنْهُمْ
للتبعيض ، أي لعذبنا الذين كفروا من ذلك الجمع المتفرق المتميز مؤمنهم عن كافرهم ، أي حين يصير الجمع مشركين خلّصا وحدهم . وجملة
لَوْ تَزَيَّلُوا
إلى آخرها بيان لجملة
وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ
إلى آخرها ، أي لولا وجود رجال مؤمنين إلخ مندمجين في جماعة المشركين غير مفترقين لو افترقوا لعذبنا الكافرين منهم . وعدل عن ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم في قوله :
لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا
على طريقة الالتفات . [ 26 ]

[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 26 ]

إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 26 )
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 162 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور