وجملة
أَيْنَ شُرَكائِي
يصح أن يكون مقول قول محذوف كما صرّح به في آية أخرى
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
[ القصص : 74 ]
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ
[ القصص : 65 ] . وحذف القول ليس بعزيز .
ويصحّ أن تكون مبيّنة لما تضمنه
يُنادِيهِمْ
من معنى الكلام المعلن به . وجاءت جملة
قالُوا آذَنَّاكَ
غير معطوفة لأنّها جارية على طريقة حكاية المحاورات كما تقدّم عند قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ
إلى قوله :
ما لا تَعْلَمُونَ *
[ البقرة : 30 ] .
و
آذَنَّاكَ
أخبرناك وأعلمناك . وأصل هذا الفعل مشتق من الاسم الجامد وهو الأذن بضم الهمزة وسكون الذال وقال تعالى :
فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ
[ الأنبياء : 109 ] ، وقال الحارث بن حلزة :
آذنتنا ببينها أسماء وصيغة الماضي في
آذَنَّاكَ
إنشاء فهو بمعنى الحال مثل : بعت وطلقت ، أي نؤذنك ونقر بأنّه ما منّا من شهيد .
والشهيد يجوز أن يكون بمعنى المشاهد ، أي المبصر ، أي ما أحد منا يرى الذين كنّا ندعوهم شركاءك الآن ، أي لا نرى واحدا من الأصنام التي كنّا نعبدها فتكون جملة
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ
في موضع الحال ، والواو واو الحال . ويجوز أن يكون الشهيد بمعنى الشاهد ، أي ما منّا أحد يشهد أنّهم شركاؤك ، فيكون ذلك اعترافا بكذبهم فيما مضى ، وتكون جملة
وَضَلَّ عَنْهُمْ
معطوفة على جملة
قالُوا آذَنَّاكَ
، أي قالوا ذلك ولم يجدوا واحدا من أصنامهم . وفعل
آذَنَّاكَ
معلّق عن العمل لورود النفي بعده .
و
ضَلَّ
: حقيقته غاب عنهم ، أي لم يجدوا ما كانوا يدعونهم من قبل في الدّنيا ، قال تعالى :
بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ
[ الأحقاف : 28 ] . فالمراد به هنا : غيبة أصنامهم عنهم وعدم وجودها في تلك الحضرة بقطع النّظر عن كونها ملقاة في جهنّم أو بقيت في العالم الدنيوي حين فنائه . وإذ لم يجدوا ما كانوا يزعمونه فقد علموا أنّهم لا محيص لهم ، أي لا ملجأ لهم من العذاب الذي شاهدوا إعداده ، فالظّنّ هنا بمعنى اليقين .
والمحيص مصدر ميمي أو اسم مكان من : حاص يحيص ، إذا هرب ، أي ما لهم مفر من النّار .