تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
بالعبادة ) وليس فيه أن هؤلاء الناس من العرب ، على أن هدي القرآن لا يختص بالعرب بل شيوع دين الصابئة في البلاد المجاورة لهم كاف في التحذير من السجود للشمس والقمر . وقد كان العرب يحسبون دين الإسلام دين الصابئة فكانوا يقولون لمن أسلم : صبأ ، وكانوا يصفون النبي صلى اللّه عليه وسلّم بالصابئ ، فإذا لم يكن النهي في قوله :
لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ
نهي إقلاع بالنسبة للذين يسجدون للشمس والقمر ، فهو نهي تحذير لمن لم يسجد لهما أن لا يتبعوا من يعبدونهما . ووقوع قوله :
وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ
بعد النهي عن السجود للشمس والقمر يفيد مفاد الحصر لأن النهي بمنزلة النفي ، ووقوع الإثبات بعده بمنزلة مقابلة النفي بالإيجاب ، فإنه بمنزلة النفي والاستثناء في إفادة الحصر كما تراه في قول السموأل أو عبد الملك الحارثي :
تسيل على حد الظبات نفوسنا * وليست على غير الظبات تسيل
فكأنه قيل : لا تسجدوا إلا للّه ، أي دون الشمس والقمر . فجملة
لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ
إلى قوله :
تَعْبُدُونَ
معترضة بين جملة
وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ
، وبين جملة
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا
[ فصلت : 38 ] . وفي هذه الآية موضع سجود من سجود التلاوة ، فقال مالك وأصحابه عدا ابن وهب : السجود عند قوله تعالى :
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
وهو قول علي بن أبي طالب وابن مسعود ، وروي عن الشافعي . وقال أبو حنيفة والشافعي في المشهور عنه وابن وهب : هي عند قوله :
وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ
[ فصلت : 38 ] ، وهو عن ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب . [ 38 ]

[ سورة فصلت ( 41 ) : آية 38 ]

فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ( 38 ) الفاء للتفريع على نهيهم عن السجود للشمس والقمر وأمر هم بالسجود للّه وحده ، أي فإن استكبروا أن يتبعوك وصمموا على السجود للشمس والقمر ، أو فإن استكبروا عن الاعتراف بدلالة الليل والنهار والشمس والقمر على تفرد اللّه بالإلهية ( فيعم ضمير
اسْتَكْبَرُوا
جميع المشركين ) فاللّه غني عن عبادتهم إياه . والاستكبار : قوة التكبر ، فالسين والتاء للمبالغة وأصل السين والتاء المستعملين للمبالغة هما السين والتاء للحسبان ، أي عدوا أنفسهم ذوي كبر شديد من فرط تكبرهم .