تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
وَلا مَا اتَّخَذُوا
عطف على
ما كَسَبُوا
وأعيد حرف النفي للتأكيد ، و
أَوْلِياءَ
مفعول ثان ل
اتَّخَذُوا
. وحذف مفعوله الأول وهو ضميرهم لوقوعه في حيز الصلة فإن حذف مثله في الصلة كثير . وأردف
عَذابٌ مُهِينٌ
بعطف
وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
لإفادة أن لهم عذابا غير ذلك وهو عذاب الدنيا بالقتل والأسر ، فالعذاب الذي في قوله :
وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
غير العذاب الذي في قوله :
أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
. [ 11 ]

[ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 11 ]

هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ( 11 ) جملة
هذا هُدىً
استئناف ابتدائي انتقل به من وصف القرآن في ذاته بأنه منزل من اللّه وأنه من آيات اللّه إلى وصفه بأفضل صفاته بأنه هدى ، فالإشارة بقوله :
هذا
إلى القرآن الذي هو في حال النزول والتلاوة فهو كالشئ المشاهد ، ولأنه قد سبق من أوصافه من قوله :
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
[ الجاثية : 2 ] وقوله :
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ
[ الجاثية : 6 ] إلى آخره ما صيره متميزا شخصا بحسن الإشارة إليه . ووصف القرآن بأنه
هُدىً
من الوصف بالمصدر للمبالغة ، أي : هاد للناس ، فمن آمن فقد اهتدى ومن كفر به فله عذاب لأنه حرم نفسه من الهدى فكان في الضلال وارتبق في المفاسد والآثام . فجملة
وَالَّذِينَ كَفَرُوا
عطف على جملة
هذا هُدىً
والمناسبة أن القرآن من جملة آيات اللّه وأنه مذكّر بها ، فالذين كفروا بآيات اللّه كفروا بالقرآن في عموم الآيات ، وهذا واقع موقع التذييل لما تقدمه ابتداء من قوله :
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
[ الجاثية : 7 ] . وجيء بالموصول وصلته لما تشعر به الصلة من أنهم حقيقون بالعقاب . واستحضروا في هذا المقام بعنوان الكفر دون عنواني الإصرار والاستكبار اللذين استحضروا بهما في قوله :
ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً
[ الجاثية : 8 ] لأن الغرض هنا النعي عليهم إهمالهم الانتفاع بالقرآن وهو النعمة العظمى التي جاءتهم من اللّه فقابلوها بالكفران عوضا عن الشكر ، كما جاء في قوله تعالى :
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
[ الواقعة : 82 ] . والرجز : أشد العذاب ، قال تعالى :
فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
[ البقرة : 59 ] . ويجوز أن يكون حرف
مِنْ
للبيان فالعذاب هو الرجز ويجوز أن يكون للتبعيض ، أي عذاب مما يسمى بالرجز وهو أشده . و
أَلِيمٌ
يجوز أن يكون وصفا ل
عَذابٌ
فيكون مرفوعا وكذلك قرأه الجمهور .