تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
فحصلت مبالغتان في قوله :
عَذابَ الْخِزْيِ
مبالغة الوصف بالمصدر ، ومبالغة إضافة الموصوف إلى الصفة . وجملة
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى
احتراس لئلا يحسب السامعون أن حظ أولئك من العقاب هو عذاب الإهلاك بالريح فعطف عليه الإخبار بأن عذاب الآخرة أخزى ، أي لهم ولكل من عذّب عذابا في الدنيا لغضب اللّه عليه . وأخزى : اسم تفضيل جرى على غير قياس ، وقياسه أن يقال : أشد إخزاء ، لأنه لا يقال : خزاه ، بمعنى أخزاه ، أي أهانه ، ومثل هذا في صوغ اسم التفضيل كثير في الاستعمال . وجملة
وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ
تذييل ، أي لا ينصرهم من يدفع العذاب عنهم ، ولا من يشفع لهم ، ولا من يخرجهم منه بعد مهلة . [ 17 ]

[ سورة فصلت ( 41 ) : آية 17 ]

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 17 ) بقية التفصيل الذي في قوله :
فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا
[ فصلت : 15 ] . ولما كان حال الأمتين واحدا في عدم قبول الإرشاد من جانب اللّه تعالى كما أشار إليه قوله تعالى :
لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً
[ فصلت : 14 ] كان الإخبار عن ثمود بأن اللّه هداهم مقتضيا أنه هدى عادا مثل ما هدى ثمود وأن عادا استحبوا العمى على الهدى مثل ما استحبت ثمود . والمعنى : وأما ثمود فهديناهم هداية إرشاد برسولنا إليهم وتأييده بآية الناقة التي أخرجها لهم من الأرض . فالمراد بالهداية هنا : الإرشاد التكليفي ، وهي غير ما في قوله :
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ
[ الزمر : 37 ] فإن تلك الهداية التكوينية لمقابلته بقوله :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
[ غافر : 33 ] . واستحبوا العمى معناه : أحبّوا ، فالسين والتاء للمبالغة مثلهما في قوله :
فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
[ فصلت : 15 ] ، أي كان العمى محبوبا لهم . والعمى : هنا مستعار للضلال في الرأي ، أي اختاروا الضلال بكسبهم . وضمن ( استحبوا ) معنى : فضّلوا ، وهيّأ لهذا التضمين اقترانه بالسين والتاء للمبالغة لأن المبالغة في المحبة تستلزم التفضيل على بقية المحبوبات فلذلك عدّي ( استحبوا ) بحرف
عَلَى
، أي رجحوا
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 33 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور