ثم يتوسع فيه فيطلق على إلهام اللّه تعالى المخلوقات لما تتطلبه مما فيه صلاحها كقوله :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً
[ النحل : 68 ] أي جبلها على إدراك ذلك وتطلّبه ، ويطلق على تسخير اللّه تعالى بعض مخلوقاته لقبول أثر قدرته كقوله :
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها
[ الزلزلة : 1 ] إلى قوله :
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها
[ الزلزلة : 5 ] .
والوحي في السماء يقع على جميع هذه المعاني من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازاته ، فهو أوحى في السماوات بتقادير نظم جاذبيتها ، وتقادير سير كواكبها ، وأوحى فيها بخلق الملائكة فيها ، وأوحى إلى الملائكة بما يتلقونه من الأمر بما يعملون ، قال تعالى :
وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
[ الأنبياء : 27 ] وقال :
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
[ الأنبياء : 20 ] .
و
أَمْرَها
بمعنى شأنها ، وهو يصدق بكل ما هو من ملابساتها من سكانها وكواكبها وتماسك جرمها والجاذبية بينها وبين ما يجاورها . وذلك مقابل قوله في خلق الأرض
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
[ فصلت : 10 ] . وانتصب
أَمْرَها
على نزع الخافض ، أي بأمرها أو على تضمين أوحى معنى قدّر أو أودع .
ووقع الالتفات من طريق الغيبة إلى طريق التكلم في قوله :
وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ
تجديدا لنشاط السامعين لطول استعمال طريق الغيبة ابتداء من قوله :
بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
[ فصلت : 9 ] مع إظهار العناية بتخصيص هذا الصنع الذي ينفع الناس دينا ودنيا وهو خلق النجوم الدقيقة والشهب بتخصيصه بالذكر من بين عموم
وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
، فما السماء الدنيا إلا من جملة السماوات ، وما النجوم والشّهب إلا من جملة أمرها .
والمصابيح : جمع مصباح ، وهو ما يوقد بالنار في الزيت للإضاءة وهو مشتق من الصباح لأنهم يحاولون أن يجعلوه خلفا عن الصباح . والمراد بالمصابيح : النجوم ، استعير لها المصابيح لما يبدو من نورها .
وانتصب
حِفْظاً
على أنه مفعول لأجله لفعل محذوف دل عليه فعل
زَيَّنَّا
.
والتقدير : وجعلناها حفظا . والمراد : حفظا للسماء من الشياطين المسترقة للسمع . وتقدم الكلام على نظيره في سورة الصّافات .