بأنهم لم يعقلوا .
والمعنى : أنّا يسرنا فهمه عليكم لعلكم تعقلون فأعرضتم ولم تعقلوا معانيه ، لأنه قد نزل مقدار عظيم لو تدبروه لعقلوا ، فهذا الخبر مستعمل في التعريض على طريقة الكناية .
[ 4 ]
[ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 4 ]
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 4 )
عطف على جملة
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا
[ الزخرف : 3 ] ، فهو زيادة في الثناء على هذا الكتاب ثناء ثانيا للتنويه بشأنه رفعة وإرشادا .
و
أُمِّ الْكِتابِ
: أصل الكتاب . والمراد ب
أُمِّ الْكِتابِ
علم اللّه تعالى كما في قوله :
وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
في سورة الرعد [ 39 ] ، لأن الأمّ بمعنى الأصل والكتاب هنا بمعنى المكتوب ، أي المحقق الموثق وهذا كناية عن الحق الذي لا يقبل التغيير لأنهم كانوا إذا أرادوا أن يحققوا عهدا على طول مدة كتبوه في صحيفة ، قال الحارث بن حلزة :
حذر الجور والتطاخي وهل ين * قض ما في المهارق الأهواء
وعلي أصله المرتفع ، وهو هنا مستعار لشرف الصفة وهي استعارة شائعة .
و
حَكِيمٌ
: أصله الذي الحكمة من صفات رأيه ، فهو هنا مجاز لما يحوي الحكمة بما فيه من صلاح أحوال النفوس والقوانين المقيّمة لنظام الأمة .
ومعنى كون ذلك في علم اللّه : أن اللّه علمه كذلك وما علمه اللّه لا يقبل الشك .
ومعناه : أن ما اشتمل عليه القرآن من المعاني هو من مراد اللّه وصدر عن علمه . ويجوز أيضا أن يفيد هذا شهادة بعلوّ القرآن وحكمته على حد قولهم في اليمين : اللّه يعلم ، وعلم اللّه .
وتأكيد الكلام ب ( إنّ ) لردّ إنكار المخاطبين إذ كذّبوا أن يكون القرآن موحى به من اللّه .
و
لَدَيْنا
ظرف مستقر هو حال من ضمير
إِنَّهُ
أو من
أُمِّ الْكِتابِ
والمقصود :
زيادة تحقيق الخبر وتشريف المخبر عنه . وقرأ الجمهور في
أُمِّ الْكِتابِ
بضمّ همزة
أُمِّ
. وقرأه حمزة والكسائي بكسر همزة
أُمِّ الْكِتابِ
في الوصل اتباعا لكسرة
فِي
، فلو وقف على
فِي
لم يكسر الهمزة .