تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
كلّمنا به من قبلك على ما صرح به في قوله تعالى :
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ
والنبيئين من بعده [ النساء : 163 ] . والمقصود من هذا هو قوله :
ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ
. والإشارة إلى سابق في الكلام وهو المذكور آنفا في قوله :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً
[ الشورى : 51 ] الآية ، أي ومثل الذي ذكر من تكليم اللّه وحينا إليك روحا من أمرنا ، فيكون على حد قول الحارث بن حلزة :
مثلها تخرج النصيحة للقوم * فلاة من دونها أفلاء
أي مثل نصيحتنا التي نصحناها للملك عمرو بن هند تكون نصيحة الأقوام بعضهم لبعض لأنها نصيحة قرابة ذوي أرحام « 1 » . ويجوز أن تكون الإشارة إلى ما يأتي من بعد وهو الإيحاء المأخوذ من
أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
، أي مثل إيحائنا إليك أوحينا إليك ، أي لو أريد تشبيه إيحائنا إليك في رفعة القدر والهدى ما وجد له شبيه إلا نفسه على طريقة قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
كما تقدم في سورة البقرة [ 143 ] . والمعنى : إنّ ما أوحينا إليك هو أعزّ وأشرف وحي بحيث لا يماثله غيره . وكلا المعنيين صالح هنا فينبغي أن يكون كلاهما محملا للآية على نحو ما ابتكرناه في المقدمة التاسعة من هذا التفسير . ويؤخذ من هذه الآية أن النبي محمد صلى اللّه عليه وسلّم قد أعطي أنواع الوحي الثلاثة ، وهو أيضا مقتضى الغرض من مساق هذه الآيات . والروح : ما به حياة الإنسان ، وقد تقدم عند قوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ
في سورة الإسراء [ 85 ] . وأطلق الروح هنا مجازا على الشريعة التي بها اهتداء النفوس إلى ما يعود عليهم بالخير في حياتهم الأولى وحياتهم الثانية ، شبهت هداية عقولهم بعد الضلالة بحلول الروح في الجسد فيصير حيّا بعد أن كان جثّة . ومعنى
مِنْ أَمْرِنا
مما استأثرنا بخلقه وحجبناه عن النّاس فالأمر المضاف إلى اللّه بمعنى الشأن العظيم ، كقولهم : أمر أمر فلان ، أي شأنه ، وقوله تعالى :
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ
[ القدر : 4 ] .
هامش
( 1 ) على إحدى روايتين وهي رواية نصب ( مثلها ) وفتح تاء ( تخرج ) . و ( فلاة ) حال من ( النصيحة ) . ومعنى ( فلاة من دونها أفلاء ) أن قرابتهم بالملك مشتبكة كالفلاة ، أي الأرض الواسعة التي تتصل بها فلوات . والأفلاء جمع فلوات .