144 ] وليس الوحي إلى موسى منحصرا في هذا النوع فإنه كان يوحى إليه الوحي الغالب لجميع الأنبياء والرسل وقد حصل هذا النوع من الكلام لمحمد صلى اللّه عليه وسلّم ليلة الإسراء ، فقد
جاء في حديث الإسراء : أن اللّه فرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة ثم خفّف اللّه منها حتى بلغت خمس صلوات وأنه سمع قوله تعالى : « أتممت فريضتي وخففت عن عبادي »
. وأشارت إليه سورة النجم [ 6 ، 12 ] بقوله تعالى :
فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى
. والقول بأنه سمع كلام اللّه ليلة أسري به إلى السماء مرويّ عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وجعفر بن محمد الصادق والأشعري والواسطي ، وهو الظاهر لأن فضل محمد صلى اللّه عليه وسلّم على جميع المرسلين يستلزم أن يعطيه اللّه من أفضل ما أعطاه رسله عليهم السلام جميعا .
النوع الثالث : أن يرسل اللّه الملك إلى النبي فيبلغ إليه كلاما يسمعه النبي ويعيه ، وهذا هو غالب ما يوجه إلى الأنبياء من كلام اللّه تعالى ، قال تعالى في ذكر زكرياء
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى
[ آل عمران : 39 ] ، وقال في إبراهيم
وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا
[ الصافات : 104 ، 105 ] وهذا الكلام يأتي بكيفية
وصفها النبي صلى اللّه عليه وسلّم للحارث بن هشام وقد سأل رسول اللّه « كيف يأتيك الوحي ؟
فقال : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيفصم عنّي وقد وعيت عنه أي عن جبريل ما قال ، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول »
. فالرسول في قوله تعالى :
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا
: هو الملك جبريل أو غيره ، وقوله :
فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ
سمّى هذا الكلام وحيا على مراعاة الإطلاق القرآني الغالب كما تقدم نحو قوله :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
[ النجم :
3 - 5 ] وهو غير المراد من قوله :
إِلَّا وَحْياً
بقرينة التقسيم والمقابلة .
ومن لطائف نسج هذه الآية ترتيب ما دل على تكليم اللّه الرسل بدلالات فجيء بالمصدر أولا في قوله :
إِلَّا وَحْياً
وجيء بما يشبه الجملة ثانيا وهو قوله :
مِنْ وَراءِ حِجابٍ
، وجيء بالجملة الفعلية ثالثا بقوله :
يُرْسِلَ رَسُولًا
. وقرأ نافع
أَوْ يُرْسِلَ
برفع
يُرْسِلَ
على الخبرية ، والتقدير : أو هو مرسل رسولا . وقرأ
فَيُوحِيَ
بسكون الياء بعد كسرة الحاء . وقرأ الباقون
أَوْ يُرْسِلَ
بنصب الفعل على تقدير ( أن ) محذوفة دل عليها العطف على المصدر فصار الفعل المعطوف في معنى المصدر ، فاحتاج إلى تقدير