تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وذكر صفتي
الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ
دون غيرهما لمناسبتهما للإغاثة لأن الوليّ يحسن إلى مواليه والحميد يعطي ما يحمد عليه . ووصف حميد فعيل بمعنى مفعول . وذكر المهدوي تفسير
يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ
بطلوع الشمس بعد المطر . [ 29 ]

[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 29 ]

وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ ( 29 ) لما كان إنزال الغيث جامعا بين كونه نعمة وكونه آية دالة على بديع صنع اللّه تعالى وعظيم قدرته المقتضية انفراده بالإلهية ، انتقل من ذكره إلى ذكر آيات دالة على انفراد اللّه تعالى بالإلهية وهي آية خلق العوالم العظيمة وما فيها مما هو مشاهد للناس دون قصد الامتنان . وهذا الانتقال استطراد واعتراض بين الأغراض التي سياق الآيات فيها . والآيات : جمع آية ، وهي العلامة والدليل على شيء . والسياق دال على أن المراد آيات الإلهية . والسماوات : العوالم العليا غير المشاهدة لنا والكواكب وما تجاوز الأرض من الجو . والأرض : الكرة التي عليها الحيوان والنبات . والبث : وضع الأشياء في أمكنة كثيرة . والدابة : ما يدبّ على الأرض ، أي يمشي فيشمل الطير لأن الطير يمشي إذا نزل وهو مما أريد في قوله هنا :
فِيهِما
أي في الأرض وفي السماء ، أي بعض ما يسمى بالسماء وهو الجو وهو ما يلوح للناظر مثل قبة زرقاء على الأرض في النهار ، قال تعالى :
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ
[ النحل : 79 ] فإطلاق الدابّة على الطير باعتبار أن الطير يدبّ على الأرض كثيرا لالتقاط الحب وغير ذلك . وأمّا الموجودات التي في السماوات العلى من الملائكة والأرواح فلا يطلق عليها اسم دابّة . ويجوز أن تكون في بعض السماوات موجودات تدبّ فيها فإن الكواكب من السماوات . والعلماء يترددون في إثبات سكان في الكواكب ، وجوز بعض العلماء المتأخرين أن في كوكب المريخ سكانا ، وقال تعالى :
وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
[ النحل : 8 ] ، على أنه قد يكون المراد من الظرفية في قوله :
فِيهِما
ظرفية المجموع لا الجميع ، أي ما بثّ في مجموع الأرض والسماء من دابّة ، فالدابّة إنما هي على الأرض ، ولما ذكرت الأرض والسماء مقترنتين وجاء ذكر الدواب جعلت الدواب مظروفة فيهما لأن الأرض محوطة بالسماوات ومتخيّلة منها كالمظروف في ظرفه ، والمظروف في ظرف مظروف في ظرف مظروفه كما قال تعالى :