تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ
[ الشورى : 22 ] توكيدا للوعيد وتحذيرا من الدوام على الكفر بعد فتح باب التوبة لهم . [ 27 ]

[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 27 ]

وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ( 27 ) عطف على جملة
وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
[ الشورى : 26 ] أو على المجموع من جملة
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا
[ الشورى : 26 ] ومن جملة
وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
. وموقع معناها موقع الاستدراك والاحتراس فإنها تشير إلى جواب عن سؤال مقدر في نفس السامع إذا سمع أن اللّه يستجيب للذين آمنوا وأنه يزيدهم من فضله أن يتساءل في نفسه : أن مما يسأل المؤمنون سعة الرّزق والبسطة فيه فقد كان المؤمنون أيام صدر الإسلام في حاجة وضيق رزق إذ منعهم المشركون أرزاقهم وقاطعوا معاملتهم ، فيجاب بأن اللّه لو بسط الرّزق للنّاس كلهم لكان بسطه مفسدا لهم لأن الذي يستغني يتطرقه نسيان الالتجاء إلى اللّه ، ويحمله على الاعتداء على الناس فكان من خير المؤمنين الآجل لهم أن لا يبسط لهم في الرّزق ، وكان ذلك منوطا بحكمة أرادها اللّه من تدبير هذا العالم تطّرد في الناس مؤمنهم وكافرهم قال تعالى :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
[ العلق : 6 ، 7 ] . وقد كان في ذلك للمؤمن فائدة أخرى ، وهي أن لا يشغله غناه عن العمل الذي به يفوز في الآخرة فلا تشغله أمواله عنه ، وهذا الاعتبار هو الذي أشار إليه النبي صلى اللّه عليه وسلّم حين قال للأنصار لما تعرّضوا له بعد صلاة الصبح وقد جاءه مال من البحرين « فو اللّه ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم » . وقد وردت هذه الآية موردا كليا لأن قوله
لِعِبادِهِ
يعم جميع العباد . ومن هذه الكلية تحصل فائدة المسؤول عليه الجزئي الخاص بالمؤمنين مع إفادة الحكمة العامة من هذا النظام التكويني ، فكانت هذه الجملة بهذا الاعتبار بمنزلة التذييل لما فيها من العموم ، أي أن اللّه أسس نظام هذا العالم على قوانين عامة وليس من حكمته أن يخص أولياءه وحزبه بنظام تكويني دنيوي ولكنه خصهم بمعاني القرب والرضى والفوز في الحياة الأبدية . وربما خصّهم بما أراد تخصيصهم به مما يرجع إلى إقامة الحق . والبغي : العدوان والظلم ، أي لبغى بعضهم على بعض لأن الغنى مظنة البطر والأشر
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 154 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور