تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
عطف على جملة
وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
[ الشورى : 13 ] وما بينهما اعتراض كما علمت ، وفي الكلام حذف يدل عليه قوله :
وَما تَفَرَّقُوا
تقديره : فتفرقوا . وضمير
تَفَرَّقُوا
عائد إلى ما عاد إليه ضمير
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا
[ الشورى : 13 ] وهم أمم الرّسل المذكورين ، أي أوصيناهم بواسطة رسلهم بأن يقيموا الدّين . دلّ على تقديره ما في فعل
وَصَّى
[ الشورى : 13 ] من معنى التبليغ كما تقدم . والعلم : إدراك العقل جزما أو ظنّا . ومجيء العلم إليهم يؤذن بأن رسلهم بيّنوا لهم مضارّ التفرق من عهد نوح كما حكى اللّه عنه في قوله :
ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً
إلى قوله :
سُبُلًا فِجاجاً
في سورة نوح [ 8 - 20 ] . وإنما تلقّى ذلك العلم علماؤهم . ويجوز أن يكون المراد بالعلم سبب العلم ، أي إلّا من بعد مجيء النبي صلى اللّه عليه وسلّم بصفاته الموافقة لما في كتابهم فتفرقوا في اختلاق المطاعن والمعاذير الباطلة لينفوا مطابقة الصفات ، فيكون كقوله تعالى :
وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ
[ البينة : 4 ] على أحد تفسيرين . والمعنى : وما تفرقت أممهم في أديانهم إلا من بعد ما جاءهم العلم على لسان رسلهم من النهي عن التفرق في الدّين مع بيانهم لهم مفاسد التفرق وأضراره ، أي أنهم تفرقوا عالمين بمفاسد التفرق غير معذورين بالجهل . وهذا كقوله تعالى :
وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ
[ البينة : 4 ] على التفسير الآخر . وذكر سبب تفرقهم بقوله :
بَغْياً بَيْنَهُمْ
أي تفرّقوا لأجل العداوة بينهم ، أي بين المتفرقين ، أي لم يحافظوا على وصايا الرّسل . وهذا تعريض بالمشركين في إعراضهم عن دعوة الإسلام لعداوتهم للمؤمنين وقوله :
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ
إلخ تحذير للمؤمنين من مثل ذلك الاختلاف . وتنكير
كَلِمَةٌ
للتنويع لأن لكل فريق من المتفرقين في الدّين كلمة من اللّه في تأجيلهم فهو على حدّ قوله تعالى :
وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
[ البقرة : 7 ] . وتنكير
أَجَلٍ
أيضا للتنويع لأن لكل أمة من المتفرقين أجلا مسمى ، فهي آجال متفاوتة في الطّول والقصر ومختلفة بالأزمنة والأمكنة . والمراد بالكلمة ما أراده اللّه من إمهالهم وتأخير مؤاخذتهم إلى أجل لهم اقتضته حكمته في نظام هذا العالم ، فربّما أخرهم ثم عذّبهم في الدنيا ، وربّما أخرهم إلى عذاب الآخرة ، وكل ذلك يدخل في الأجل المسمّى ، ولكل ذلك كلمته . فالكلمة هنا مستعارة