تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
هذا مثال لتقلب المشركين بين إشراكهم مع اللّه غيره في العبادة ، وبين إظهار احتياجهم إليه ، فذلك عنوان على مبلغ كفرهم وأقصاه . والجملة معطوفة على جملة
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ
[ الزمر : 6 ] الآية لاشتراك الجملتين في الدلالة على أن اللّه منفرد بالتصرف مستوجب للشكر ، وعلى أن الكفر به قبيح ، وتتضمن الاستدلال على وحدانية إلهية بدليل من أحوال المشركين به فإنهم إذا مسهم الضر لجئوا إليه وحده ، وإذا أصابتهم نعمة أعرضوا عن شكره وجعلوا له شركاء . فالتعريف في
الْإِنْسانَ
تعريف الجنس ولكن عمومه هنا عموم عرفي لفريق من الإنسان وهم أهل الشرك خاصة لأن قوله :
وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً
لا يتفق مع حال المؤمنين . والقول بأن المراد : انسان معيّن وأنه عتبة بن ربيعة ، أو أبو جهل ، خروج عن مهيع الكلام ، وإنما هذان وأمثالهما من جملة هذا الجنس . وذكر الإنسان إظهار في مقام الإضمار لأن المقصود به المخاطبون بقوله :
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
إلى قوله :
فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ الزمر : 6 ، 7 ] ، فكان مقتضى الظاهر أن يقال : وإذا مسكم الضر دعوتم ربكم إلخ ، فعدل إلى الإظهار لما في معنى الإنسان من مراعاة ما في الإنسانية من التقلب والاضطراب إلا من عصمه اللّه بالتوفيق كقوله تعالى :
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا
[ مريم : 66 ] ، وقوله :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ
[ القيامة : 3 ] وغير ذلك ولأن في اسم الإنسان مناسبة مع النسيان الآتي في قوله :
نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ
. وتقدم نظير لهذه الآية في قوله :
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ
في سورة الروم [ 33 ] . والتخويل : الإعطاء والتمليك دون قصد عوض . وعينه واو لا محالة . وهو مشتق من الخول بفتحتين وهو اسم للعبيد والخدم ، ولا التفات إلى فعل خال بمعنى : افتخر ، فتلك مادة أخرى غير ما اشتق منه فعل خوّل . والنسيان : ذهول الحافظة عن الأمر المعلوم سابقا . وما صدق
ما
في قوله :
ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ
هو الضر ، أي نسي الضر الذي كان يدعو اللّه إليه ، أي إلى كشفه عنه ، ومفعول
يَدْعُوا
محذوف دل عليه قوله :
دَعا رَبَّهُ
، وضمير
إِلَيْهِ
عائد إلى
ما
، أي نسي الضر الذي كان يدعو اللّه إليه ، أي إلى كشفه . ويجوز أن يكون
ما
صادقا على الدعاء كما تدل عليه الصلة ويكون الضمير المجرور ب ( إلى ) عائدا إلى
رَبَّهُ
، أي نسي الدعاء ، وضمّن الدعاء معنى الابتهال