والقول في افتتاحها كالقول في افتتاح نظائرها السابقة باسم الجلالة أو بضميره .
والأنعام : الإبل والغنم والمعز والبقر . والمراد هنا : الإبل خاصة لقوله :
وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً
وقوله :
وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
وكانت الإبل غالب مكاسبهم .
والجعل : الوضع والتمكين والتهيئة ، فيحمل في كل مقام على ما يناسبه وفائدة الامتنان تقريب نفوسهم من التوحيد لأن شأن أهل المروءة الاستحياء من المنعم .
وأدمج في الامتنان استدلال على دقيق الصنع وبليغ الحكمة كما دل عليه قوله :
وَيُرِيكُمْ آياتِهِ
[ غافر : 81 ] أي في ذلك كله .
واللام في
لَكُمْ
لام التعليل ، أي لأجلكم وهو امتنان مجمل يشمل بالتأمل كل ما في الإبل لهم من منافع وهم يعلمونها إذا تذكّروها وعدّوها . ثم فصّل ذلك الإجمال بعض التفصيل بذكر المهمّ من النعم التي في الإبل بقوله :
لِتَرْكَبُوا مِنْها
إلى
تُحْمَلُونَ
.
فاللام في
لِتَرْكَبُوا مِنْها
لام كي وهي متعلقة ب
جَعَلَ
أي لركوبكم .
و ( من ) في الموضعين هنا للتبعيض وهي صفة لمحذوف يدل عليه ( من ) أي بعضا منها ، وهو ما أعد للأسفار من الرواحل . ويتعلق حرف ( من ) بتركبوا ، وتعلّق ( من ) التبعيضية بالفعل تعلق ضعيف وهو الذي دعا التفتازانيّ إلى القول بأن ( من ) في مثله اسم بمعنى بعض ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ
في سورة البقرة [ 8 ] .
وأريد بالركوب هنا الركوب للراحة من تعب الرّجلين في الحاجة القريبة بقرينة مقابلته بقوله :
وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ
.
وجملة
وَمِنْها تَأْكُلُونَ
في موضع الحال من
الْأَنْعامَ
، أو عطف على المعنى من جملة
لِتَرْكَبُوا مِنْها
لأنها في قوة أن يقال : تركبون منها ، على وجه الاستئناف لبيان الإجمال الذي في
جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ
، وعلى الاعتبارين فهي في حيّز ما دخلت عليه لام كي فمعناها : ولتأكلوا منها .
وجملة
وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ
عطف على جملة
وَمِنْها تَأْكُلُونَ
، والمعنى أيضا على اعتبار التعليل كأنه قيل : ولتجتنوا منافعها المجعولة لكم وإنما غيّر أسلوب التعليل تفننا في الكلام وتنشيطا للسامع لئلا يتكرر حرف التعليل تكرارات كثيرة .