تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
وهي الأجل المسمّى أي الموت فلا طور بعد الشيخوخة . وأما الأجل المقدّر للذين يهلكون قبل أن يبلغوا الشيخوخة فقد استفيد من قوله :
وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ
أن من قبل بعض هذه الأطوار ، أي يتوفى قبل أن يخرج طفلا وهو السقط أو قبل أن يبلغ الأشدّ ، أو يتوفّى قبل أن يكون شيخا . ولتعلقه بما يليه خاصة عطف عليه بالواو ولم يعطف ب ( ثم ) كما عطفت المجرورات الأخرى ، والمعنى : أن اللّه قدّر انقراض الأجيال وخلقها بأجيال أخرى ، فالحي غايته الفناء وإن طالت حياته ، ولمّا خلقه على حالة تؤول إلى الفناء لا محالة كان عالما بأن من جملة الغايات في ذلك الخلق أن يبلغوا أجلا . وبني
قَبْلُ
على الضم على نية معنى المضاف إليه ، أي من قبل ما ذكر . والأشدّ : القوة في البدن ، وهو ما بين ثمان عشرة سنة إلى الثلاثين وتقدم في سورة يوسف [ 22 ] . وشيوخ : جمع شيخ ، وهو من بلغ سن الخمسين إلى الثمانين ، وتقدم عند قوله تعالى :
وَهذا بَعْلِي شَيْخاً
في سورة هود [ 72 ] . ويجوز في ( شيوخ ) ضم الشين . وبه قرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب وخلف . ويجوز كسر الشين وبه قرأ ابن كثير وحمزة ، والكسائي . وقوله :
وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
عطف على
وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى
أي أن من جملة ما أراده اللّه من خلق الإنسان على الحالة المبينة ، أن تكون في تلك الخلقة دلالة لآحاده على وجود هذا الخالق الخلق البديع ، وعلى انفراده بالإلهية ، وعلى أن ما عداه لا يستحق وصف الإلهية ، فمن عقل ذلك من الناس فقد اهتدى إلى ما أريد منه ومن لم يعقل ذلك فهو بمنزلة عديم العقل . ولأجل هذه النكتة لم يؤت لفعل
تَعْقِلُونَ
بمفعول ولا بمجرور لأنه نزل منزلة اللازم ، أي رجاء أن يكون لكم عقول فهو مراد للّه من ذلك الخلق فمن حكمته أن جعل ذلك الخلق العجيب علة لأمور كثيرة . [ 68 ]

[ سورة غافر ( 40 ) : آية 68 ]

هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 68 ) استئناف خامس ومناسبة موقعه من قوله :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ
إلى قوله :
ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
إلى
وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
[ غافر : 67 ] فإن من أول ما يرجى أن يعقلوه هو ذلك التصرف البديع بخلق الحياة في الإنسان عند تكوينه بعد أن كان جثة لا حياة فيها ، وخلق الموت فيه عند انتهاء أجله بعد أن كان حيا متصرفا بقوته وتدبيره .