تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
ومعنى
ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ
ما ليس لي بصحته أو بوجوده علم ، والكلام كناية عن كونه يعلم أنها ليست آلهة بطريق الكناية بنفي اللازم عن نفي الملزوم . وعطف عليه
وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ
فكان بيانا لمجمل جملة
أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ
. وإبراز ضمير المتكلم في قوله :
وَأَنَا أَدْعُوكُمْ
لإفادة تقوّي الخبر بتقديم المسند إليه على خبره الفعلي . وفعل الدعوة إذا ربط بمتعلق غير مفعوله يعدّى تارة باللام وهو الأكثر في الكلام ، ويعدى بحرف ( إلى ) وهو الأكثر في القرآن لما يشتمل عليه من الاعتبارات ولذلك علق به معموله في هذه الآية أربع مرات ب ( إلى ) ومرة باللام مع ما في ربط فعل الدعوة بمتعلقه الذي هو من المعنويات من مناسبة لام التعليل مثل
تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ
، وربطه بما هو ذات بحرف ( إلى ) في قوله :
أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ
فإن النجاة هي نجاة من النار فهي نجاة من أمر محسوس ، وقوله :
وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ
وقوله :
وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا
إلخ ، لأن حرف ( إلى ) دالّ على الانتهاء لأن الذي يدعو أحدا إلى شيء إنما يدعوه إلى أن ينتهي إليه ، فالدعاء إلى اللّه الدعاء إلى توحيده بالربوبية فشبه بشيء محسوس تشبيه المعقول بالمحسوس ، وشبه اعتقاده صحته بالوصول إلى الشيء المسعي إليه ، وشبهت الدعوة إليه بالدلالة على الشيء المرغوب الوصول إليه فكانت في حرف ( إلى ) استعارة مكنية وتخييلية وتبعية ، وفي
الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ
استعارة مكنية ، وفي
أَدْعُوكُمْ
استعارة تبعية وتخييلية . وعدل عن اسم الجلالة إلى الصفتين
الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ
لإدماج الاستدلال على استحقاقه الإفراد بالإلهية والعبادة ، بوصفه
الْعَزِيزِ
لأنه لا تناله الناس بخلاف أصنامهم فإنها ذليلة توضع على الأرض ويلتصق بها القتام وتلوثها الطيور بذرقها ، ولإدماج ترغيبهم في الإقلاع عن الشرك بأن الموحد بالإلهية يغفر لهم ما سلف من شركهم به حتى لا ييأسوا من عفوه بعد أن أساءوا إليه . وجملة
لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي
بيان لجملة
تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ
. وكلمة
لا جَرَمَ
بفتحتين في الأفصح من لغات ثلاث فيها ، كلمة يراد بها معنى لا يثبت أو لا بد ، فمعنى ثبوته لأن الشيء الذي لا ينقطع هو باق وكل ذلك يؤول إلى معنى حق وقد يقولون : لا ذا جرم ، ولا أنّ ذا جرم ، ولا عنّ ذا جرم ، ولا جر بدون ميم ترخيما للتخفيف .