تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
إيماء ورمز إلى أن المهم من هذه الآيات كلها هو موعظة أهل الشرك رجوعا إلى قوله : وكذلك حقت كلمات
رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ
[ غافر : 6 ] والمراد ب
الَّذِينَ كَفَرُوا
هنا مشركو أهل مكة ، فإنهم المقصود بهذه الأخبار كما تقدم آنفا في قوله :
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
[ غافر : 7 ] . والمعنى : أنهم يناديهم الملائكة تبليغا عن رب العزة ، قال تعالى :
أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
[ فصلت : 44 ] وهو بعد عن مرتبة الجلال ، أي ينادون وهم في جهنم كما دل عليه قوله :
فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ
[ غافر : 11 ] . واللام في
لَمَقْتُ اللَّهِ
لام القسم . والمقت : شدة البغض . و
إِذْ تُدْعَوْنَ
ظرف ل
مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ
. و
إِذْ
ظرف للزمن الماضي ، أي حين كنتم تدعون إلى الإيمان على لسان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك في الدنيا بقرينة
تُدْعَوْنَ
وجيء بالمضارع في
تُدْعَوْنَ
و
فَتَكْفُرُونَ
للدلالة على تكرر دعوتهم إلى الإيمان وتكرر كفرهم ، أي تجدده . ومعنى : مقتهم أنفسهم حينئذ أنهم فعلوا لأنفسهم ما يشبه المقت إذ حرموها من فضيلة الإيمان ومحاسن شرائعه ورضوا لأنفسهم دين الكفر بعد أن أوقظوا على ما فيه من ضلال ومغبّة سوء ، فكان فعلهم ذلك شبيها بفعل المرء لبغيضه من الضر والكيد ، وهذا كما يقال : فلان عدو نفسه . وفي حديث سعد بن أبي وقاص عن عمر بن الخطاب أن عمر قال لنساء من قريش يسألن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويستكثرن ، فلما دخل عمر ابتدرن الحجاب فقال لهن : « يا عدوّات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » . فالمقت مستعار لقلة التدبر فيما يضر . وقد أشار إلى وجه هذه الاستعارة قوله :
إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ
فمناط الكلام هو
فَتَكْفُرُونَ
وفي ذكر
يُنادَوْنَ
ما يدل على كلام محذوف تقديره : أن الذين كفروا يمقتهم اللّه وينادون لمقت اللّه إلخ . ومعنى مقت اللّه : بغضه إياهم وهو مجاز مرسل أطلق على المعاملة بآثار البغض من التحقير والعقاب فهو أقرب إلى حقيقة البغض لأن المراد به أثره وهو المعاملة بالنكال ، وهو شائع شيوع نظائره مما يضاف إلى اللّه مما تستحيل حقيقته عليه ، وهذا الخبر مستعمل في التوبيخ والتنديم . و
أَكْبَرُ
بمعنى أشد وأخطر أثرا ، فإطلاق الكبر عليه مجاز لأن الكبر من أوصاف