تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
للملابسة ، أي متلبسين بالفوز أو الباء للسببية ، أي بسبب ما حصلوا عليه من الفوز . ويجوز أن تكون المفازة اسما للفلاة ، كما في قول لبيد :
لورد تقلص الغيطان عنه * يبذ مفازة الخمس الكمال
سميت مفازة باسم مكان الفوز ، أي النجاة وتأنيثها بتأويل البقعة ، وسموها مفازة باعتبار أن من حل بها سلم من أن يلحقه عدوّه ، كما قال العديل :
ودون يد الحجاج من أن تنالني * بساط بأيدي أنا عجات عريض
وقول النابغة :
تدافع الناس عنا حين نركبها * من المظالم تدعى أمّ صبار
وعلى هذا المعنى فالباء بمعنى ( في ) . والمفازة : الجنة . وإضافة مفازة إلى ضميرهم كناية عن شدة تلبسهم بالفوز حتى عرف بهم كما يقال : فاز فوز فلان . وقرأ الجمهور
بِمَفازَتِهِمْ
بصيغة المفرد . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف بمفازاتهم بصيغة الجمع وهي تجري على المعنيين في المفازة لأن المصدر قد يجمع باعتبار تعدد الصادر منه ، أو باعتبار تعدد أنواعه ، وكذلك تعدد أمكنة الفوز بتعدد الطوائف ، وعلى هذا فإضافة المفازة إلى ضمير
الَّذِينَ اتَّقَوْا
لتعريفها بهم ، أي المفازة التي علمتم أنها لهم وهي الجنة ، وقد علم ذلك من آيات وأخبار منها قوله تعالى :
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً حَدائِقَ وَأَعْناباً وَكَواعِبَ أَتْراباً
[ النبأ : 31 ، 33 ] . وجملة
لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
مبيّنة لجملة
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ
لأن نفي مسّ السوء هو إنجاؤهم ونفي الحزن عنهم نفي لأثر المس السوء . وجيء في جانب نفي السوء بالجملة الفعلية لأن ذلك لنفي حالة أهل النار عنهم ، وأهل النار في مسّ من السوء متجدد . وجيء في نفي الحزن عنهم بالجملة الاسمية لأن أهل النار أيضا في حزن وغم ثابت لازم لهم . ومن لطيف التعبير هذا التفنن ، فإن شأن الأسواء الجسدية تجدد آلامها وشأن الأكدار القلبية دوام الإحساس بها . [ 62 - 63 ]

[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 62 إلى 63 ]

اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 62 ) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 63 )