وفي « مفاتيح الغيب » : « كان الملقب بالرشيد الكاتب « 1 » يقول : لو قيل : أتدعون بعلا وتدعون أحسن الخالقين ، أوهم أنه أحسن » ، أي أوهم كلام الرشيد أنه لو كانت كلمة ( تدعون ) عوضا عن
تَذَرُونَ
. وأجاب الفخر بأن فصاحة القرآن ليست لأجل رعاية هذه التكاليف بل لأجل قوة المعاني وجزالة الألفاظ ا ه - . وهو جواب غير مقنع إذ لا سبيل إلى إنكار حسن موقع المحسنات البديعية بعد استكمال مقتضيات البلاغة . قال السّكّاكي :
« وأصل الحسن في جميع ذلك ( أي ما ذكر من المحسنات البديعية ) أن تكون الألفاظ توابع للمعاني لا أن تكون المعاني لها توابع ، أعني أن لا تكون متكلفة » . فإذا سلمنا أن ( تذرون ) و ( تدعون ) مترادفان لم يكن سبيل إلى إبطال أن إيثار ( تدعون ) أنسب .
فالوجه إما أن يجاب بما قاله سعد اللّه محشي البيضاوي بأن الجناس من المحسنات فإنما يناسب كلاما صادرا في مقام الرضى لا في مقام الغضب والتهويل . يعني أن كلام إلياس المحكيّ هنا محكي عن مقام الغضب والتهويل فلا تناسبه اللطائف اللفظية ( يعني بالنظر إلى حال المخاطبين به لأن كلامه محكي في العربية بما يناسب مصدره في لغة قائله وذلك من دقائق الترجمة ) ، وهو جواب دقيق ، وإن كابر فيه الخفاجي بكلام لا يليق ، وإن تأمّلته جزمت باختلاله . وقد أجيب بما يقتضي منع الترادف بين فعلي
تَذَرُونَ
و « تدعون » بأن فعل ( يدع ) أخص : إما لأنه يدل على ترك شيء مع الاعتناء بعدم تركه كما قال سعد اللّه ، وإما لأن فعل يدع يدل على ترك شيء قبل العلم ، وفعل ( يذر ) يدل على ترك شيء بعد العلم به كما حكاه سعد اللّه عن بعض الأئمة عازيا إياه للفخر .
وعندي : أن منع الترادف هو الوجه لكن لا كما قال سعد اللّه ولا كما نقل عن الفخر بل لأن فعل ( يدع ) قليل الاستعمال في كلام العرب ولذلك لم يقع في القرآن إلا في قراءة شاذّة لا سند لها خلافا لفعل ( يذر ) . ولا شك أن سبب ذلك أن فعل ( يذر ) يدل على ترك مع إعراض عن المتروك بخلاف ( يدع ) فإنه يقتضي تركا مؤقتا وأشار إلى الفرق بينهما كلام الراغب فيهما . وهنالك عدة أجوبة أخرى ، هي بالإعراض عنها أحرى .
ومعنى
فَكَذَّبُوهُ
أنهم لم يطيعوه تملّقا لملوكهم الذين أجابوا رغبة نسائهم
هامش
( 1 ) لم أقف على ذكر كاتب يلقب بالرشيد وأحسب أنه راشد بن إسحاق بن راشد أبا حليمة الكاتب .
كان شاعرا ماجنا . ترجمه ياقوت وذكر أنه اتصل بالوزير عبد الملك بن الزيات وزير المعتصم ( 173 / 233 ) .