تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
سادنا . وتوجد صورة بعل في دار الآثار بقصر اللّوفر في باريس منقوشة على وجه حجارة صوروه بصورة إنسان على رأسه خوذة بها قرنان وبيده مقرعة . ولعلها صورته عند بعض الأمم التي عبدته ولا توجد له صورة في آثار قرطاجنة الفينيقية بتونس . وجيء في قوله :
وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ
بذكر صفة اللّه دون اسمه العلم تعريضا بتسفيه عقول الذين عبدوا بعلا بأنهم تركوا عبادة الرب المتصف بأحسن الصفات وأكملها وعبدوا صنما ذاته وخش فكأنه قال : أتدعون صنما بشعا جمع عنصري الضعف وهما المخلوقية وقبح الصورة وتتركون من له صفة الخالقية والصفات الحسنى . وقرأ الجمهور
إِلْياسَ
بهمزة قطع في أوله على اعتبار الألف واللام من جملة الاسم العلم فلم يحذفوا الهمزة إذا وصلوا
إِنَّ
بها . وقرأه ابن عامر بهمزة وصل فحذفها في الوصل مع
إِنَّ
على اعتبار الألف واللام حرفا للمح الأصل . وأن أصل الاسم ياس مراعاة لقوله :
سَلامٌ عَلى إِل‌ْياسِينَ
. وللعرب في النطق بالأسماء الأعجمية تصرفات كثيرة لأنه ليس من لغتهم فهم يتصرفون في النطق به على ما يناسب أبنية كلامهم . وجملة
اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
قرأ الأكثر برفع اسم الجلالة وما عطف عليه فهو مبتدأ والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا والخبر مستعمل في التنبيه على الخطأ بأن عبدوا
بَعْلًا
. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بنصب اسم الجلالة على عطف البيان ل
أَحْسَنَ الْخالِقِينَ
، والمقصود من البيان زيادة التصريح لأن المقام مقام إيضاح لأصل الديانة ، وعلى كلتا القراءتين فالكلام مسوق لتذكيرهم بأن من أصول دينهم أنهم لا ربّ لهم إلا اللّه ، وهذا أول أصول الدين فإنه ربّ آبائهم فإن آباءهم لم يعبدوا غير اللّه من عهد إبراهيم عليه السلام وهو الأب الأول من حيث تميزت أمتهم عن غيرهم ، أو هو يعقوب قال تعالى : وأوصى
بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
[ البقرة : 132 ] ، واحتراز ب
الْأَوَّلِينَ
عن آبائهم الذين كانوا في زمان ملوكهم بعد سليمان . وجمع هذا الخبر تحريضا على إبطال عبادة « بعل » لأن في الطبع محبة الاقتداء بالسلف في الخير . وقد جمع إلياس من معه من أتباعه وجعل مكيدة لسدنة ( بعل ) فقتلهم عن آخرهم انتصارا للدّين وانتقاما لمن قتلتهم ( إيزابل ) زوجة ( آخاب ) .