تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
الأشرار . ووصف النبأ ب
عَظِيمٌ
تهويل على نحو قوله تعالى :
عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ
[ النبأ : 1 - 3 ] . وعظمة هذا النبأ بين الأنباء من نوعه من أنباء الشر مثل قوله :
فَسادٌ كَبِيرٌ
[ الأنفال : 73 ] ، فتم الكلام عند قوله تعالى :
أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
. فتكون جملة
ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى
إلى قوله :
نَذِيرٌ مُبِينٌ
استئنافا للاستدلال على صدق النبأ بأنه وحي من اللّه ولولا أنه وحي لما كان للرسول صلّى اللّه عليه وسلم قبل بمعرفة هذه الأحوال على حد قوله تعالى :
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
[ آل عمران : 44 ] ، ونظائر هذا الاستدلال كثيرة في القرآن . وتكون جملة
إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً
[ ص : 71 ] إلى آخره استئنافا ابتدائيا . وعلى هذا فضمير
يَخْتَصِمُونَ
عائد إلى أهل النار من قوله :
تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ
[ ص : 64 ] إذ لا تخاصم بين أهل الملأ الأعلى . والمعنى : ما كان لي من علم بعالم الغيب وما يجري فيه من الإخبار بما سيكون إذ يختصم أهل النار في النار يوم القيامة . وعلى كلا التفسيرين فمعنى
أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
، أنهم غافلون عن العلم به فقد أعلموا بالنبإ بمعناه الأول وسيعلمون قريبا بالنبإ بمعناه الثاني . وجيء بالجملة الاسمية في قوله :
أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
لإفادة إثبات إعراضهم وتمكنه منهم ، فأما إعراضهم عن النبأ بمعناه الأول فظاهر تمكنه من نفوسهم لأنه طالما أنذرهم بعذاب الآخرة ووصفه فلم يكترثوا بذلك ولا ارعووا عن كفرهم . وأما إعراضهم عن النبأ بمعناه الثاني ، فتأويل تمكنه من نفوسهم عدم استعدادهم للاعتبار بمغزاه من تحقق أن ما هم فيه هو وسوسة من الشيطان قصدا للشّرّ بهم . ولعل هذه الآية من هذه السورة هي أول ما نزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلم من ذكر قصة خلق آدم وسجود الملائكة وإباء إبليس من السجود ، فإن هذه السورة في ترتيب نزول سور القرآن لا يوجد ذكر قصة آدم في سورة نزلت قبلها . فذلك وجه التوطئة للقصة بأساليب العناية والاهتمام مما خلا غيرها عن مثله وبأنها نبأ كانوا معرضين عنه . وأيّا ما كان فقوله :
أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
توبيخ لهم وتحميق . وجملة
ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ
اعتراض إبلاغ في