أن اللّه خلق شيئا من السماء والأرض وما بينهما باطلا فإن في الانتقال من دلالة الأضعف إلى دلالة الأقوى وفي تكرير أداة الإنكار شأنا عظيما من فضح أمر الضالين .
[ 29 ]
[ سورة ص ( 38 ) : آية 29 ]
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 29 )
عقب الإمعان في تهديد المشركين وتجهيلهم على إعراضهم عن التدبر بحكمة الجزاء ويوم الحساب عليه والاحتجاج عليهم ، أعرض اللّه عن خطابهم ووجّه الخطاب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالثناء على الكتاب المنزل عليه ، وكان هذا القرآن قد بيّن لهم ما فيه لهم مقنع ، وحجاجا هو لشبهاتهم مقلع ، وأنه إن حرم المشركون أنفسهم من الانتفاع به فقد انتفع به أولو الألباب وهم المؤمنون . وفي ذلك إدماج الاعتزاز بهذا الكتاب لمن أنزل عليه ولمن تمسك به واهتدى بهديه من المؤمنين . وهذا نظير قوله تعالى عقب ذكر خلق الشمس والقمر :
ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
في أول سورة يونس [ 5 ] .
والجملة استئناف معترض وفي هذا الاستئناف نظر إلى قوله في أول السورة
وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ
[ ص : 1 ] إعادة للتنويه بشأن القرآن كما سيعاد ذلك في قوله تعالى :
هذا ذِكْرٌ
[ ص : 49 ] .
فقوله :
كِتابٌ
يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : هذا كتاب ، وجملة
أَنْزَلْناهُ
صفة
كِتابٌ
. ويجوز أن يكون مبتدأ وجملة
أَنْزَلْناهُ
صفة
كِتابٌ
و
مُبارَكٌ
خبرا عن
كِتابٌ
.
وتنكير
كِتابٌ
للتعظيم ، لأن الكتاب معلوم فما كان تنكيره إلا لتعظيم شأنه وهو مبتدأ سوغ الابتداء به وصفه بجملة
أَنْزَلْناهُ
و
مُبارَكٌ
هو الخبر . ولك أن تجعل ما في التنكير من معنى التعظيم مسوغا للابتداء وتجعل جملة
أَنْزَلْناهُ
خبرا أول و
مُبارَكٌ
خبرا ثانيا و
لِيَدَّبَّرُوا
متعلق ب
أَنْزَلْناهُ
ولكن لا يجعل
كِتابٌ
خبر مبتدأ محذوف وتقدره : هذا كتاب ، إذ ليس هذا بمحزّ كبير من البلاغة .
والمبارك : المنبثّة فيه البركة وهي الخير الكثير ، وكل آيات القرآن مبارك فيها لأنها :
إمّا مرشدة إلى خير ، وإمّا صارفة عن شرّ وفساد ، وذلك سبب الخير في العاجل والآجل ولا بركة أعظم من ذلك .
والتدبر : التفكر والتأمل الذي يبلغ به صاحبه معرفة المراد من المعاني ، وإنما يكون