تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
الصالحين وأحوال المفسدين . والتشبيه في قوله :
كَالْمُفْسِدِينَ
للتسوية . والمعنى : إنكار أن يكونوا سواء في جعل اللّه ، أي إذا لم يجاز كلّ فريق بما يستحقه على عمله ، فالمشاهد في هذه الحياة الدنيا خلاف ذلك فتعين أن يكون الجزاء في عالم آخر وهو الذي يسلك له الناس بعد البعث . وقد أخذ في الاستدلال جانب المساواة بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين المفسدين في الأرض ، لأنه يوجد كثير من الفريقين متساوين في حالة الحياة الدنيا في النعمة أو في التوسط أو في البؤس والخصاصة ، فحالة المساواة كافية لتكون مناط الاستدلال على إبطال ظن الذين كفروا بقطع النظر عن حالة أخرى أولى بالدلالة ، وهي المقابلة بين فريق المفسدين أولي النعمة وفريق الصالحين أولي البؤس ، وعن حالة دون ذلك وهي فريق المفسدين أصحاب البؤس والخصاصة وفريق الصالحين أولي النعمة لأنها لا تسترعي خاطر الناظر . و
أَمْ
الثانية منقطعة أيضا ومفادها إضراب انتقال ثان للارتقاء في الاستدلال على أن الحكمة الربانية بمراعاة الحق وانتفاع الباطل في الخلق تقتضي الجزاء والبعث لأجله . ومعنى الاستفهام الذي تقتضيه
أَمْ
الثانية : الإنكار كالذي اقتضته
أَمْ
الأولى . وهذا الارتقاء في الاستدلال لقصد زيادة التشنيع على منكري البعث والجزاء بأن ظنهم ذلك يقتضي أن جعل اللّه المتقين مساوين للفجّار في أحوال وجود الفريقين ، وتقريره مثل ما قرّر به الاستدلال الأول . والمتّقون : هم الذين كانت التقوى شعارهم . والتقوى : ملازمة اتباع المأمورات واجتناب المنهيات في الظاهر والباطن ، وقد تقدم في أول سورة البقرة . والفجّار : الذين شعارهم الفجور ، وهو أشد المعصية ، والمراد به : الكفر وأعماله التي لا تراقب أصحابها التقوى كما في قوله تعالى :
أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
[ عبس : 42 ] وقد تقدم تفصيل من هذا عند قوله تعالى :
إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً
إلى قوله :
ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
[ يونس : 4 ، 5 ] . والمقصود من هذا الإطناب زيادة التهويل والتفظيع على الذين ظنوا ظنّا يفضي إلى