و
الْآخِرَةِ
: تأنيث الآخر وهو الذي يكون بعد مضي مدة تقررت فيها أمثاله كقوله تعالى :
ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ
[ العنكبوت : 20 ] .
والمجرور من قوله :
فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ
يجوز أن يكون ظرفا مستقرا في موضع الحال من اسم الإشارة بيانا للمقصود من الإشارة متعلقا بفعل
سَمِعْنا
. والمعنى : ما سمعنا بهذا قبل اليوم فلا نعتدّ به . ويجوز على هذا التقدير أن يكون المراد ب
الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ
دين النصارى ، وهو عن ابن عباس وأصحابه وعليه فالمشركون استشهدوا على بطلان توحيد الإله بأن دين النصارى الذي ظهر قبل الإسلام أثبت تعدد الآلهة ، ويكون نفي السماع كناية عن سماع ضده وهو تعدد الآلهة . ويجوز أن يريدوا ب
الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ
الملّة التي هم عليها ويكون إشارة إلى قول ملأ قريش لأبي طالب في حين احتضاره حين
قال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « يا عم قل لا إله إلّا اللّه كلمة أحاجّ لك بها عند اللّه . فقالوا له جميعا : أترغب عن ملة عبد المطلب »
. فقولهم :
فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ
كناية عن استمرار انتفاء هذا إلى الزمن الأخير فيعلم أن انتفاءه في ملتهم الأولى بالأحرى .
وجملة
إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ
مبينة لجملة
ما سَمِعْنا بِهذا
وهذا هو المتحصل من كلامهم المبدوء ب
امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ
فهذه الجملة كالفذلكة لكلامهم .
والاختلاق : الكذب المخترع الذي لا شبهة لقائله .
[ 8 ]
[ سورة ص ( 38 ) : آية 8 ]
أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ ( 8 )
أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا
.
يجوز أن يكون
أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا
من كلام عموم الكافرين المحكي بقوله :
وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ
[ ص : 4 ] فيكون متصلا بقوله :
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً
[ ص : 5 ] ويكون قوله
أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ
بيانا لجملة
كَذَّابٌ
[ ص : 4 ] ، لأن تقديره : هذا كذّاب إذ هو خبر ثان ل ( كان ) ، ولكونه بيانا للذي قبله لم يعطف عليه ويكون ما بينهما من قوله :
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ
[ ص : 6 ] إلى قوله :
إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ
[ ص : 7 ] اعتراضا بين جملتي البيان .
ويجوز أن يكون من تمام كلام الملأ واستغني به عن بيان جملة
كَذَّابٌ
لأن نطق الملأ به كاف في قول الآخرين بموجبه فاستغنوا عن بيان جملة
كَذَّابٌ
.
والاستفهام إنكاري ، ومناط الإنكار هو الظرف
مِنْ بَيْنِنا
وهو في موضع حال من