يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
أشدّ اتصالا بالمعنى ، أي قل لهم : إن بسط الرزق وتقتيره شأن آخر من تصرفات اللّه المنوطة بما قدره في نظام هذا العالم ، أي فلا ملازمة بينه وبين الرشد والغي ، والهدى والضلال ، ولو تأملتم أسباب الرزق لرأيتموها لا تلاقي أسباب الغي والاهتداء ، فربما وسع اللّه الرزق على العاصي وضيّقه على المطيع وربما عكس فلا يغرنهم هذا وذاك فإنكم لا تعلمون .
وهذا ما جعل قوله :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
مصيبا المحزّ ، فأكثر الناس تلتبس عليهم الأمور فيخلطون بينها ولا يضعون في مواضعها زينها وشينها .
وقد أفاد هذا أن حالهم غير دالّ على رضى اللّه عنهم ولا على عدمه ، وهذا الإبطال هو ما يسمى في علم المناظرة نقضا إجماليا .
وبسط الرزق : تيسيره وتكثيره ، استعير له البسط وهو نشر الثوب ونحوه لأن المبسوط تكثر مساحة انتشاره .
وقدر الرزق : عسر التحصيل عليه وقلة حاصله ؛ استعير له القدر ، أي التقدير وهو التحديد لأن الشيء القليل يسهل عدّه وحسابه ولذلك قيل في ضده
يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ البقرة : 212 ] ، ومفعول
يَقْدِرُ
محذوف دل عليه مفعول
يَبْسُطُ
. وتقدم نظيره في سورة الرعد .
ومفعول
يَعْلَمُونَ
محذوف دل عليه الكلام ، أي لا يعلمون أن اللّه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر باعتبار عموم من يشاء من كونه صالحا أو طالحا ، ومن انتفاء علمهم بذلك أنهم توهموا بسط الرزق علامة على القرب عند اللّه ، وضده علامة على ضد ذلك .
وبهذا أخطأ قول أحمد بن الراوندي :
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه * وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة * وصيّر العالم النحرير زنديقا
فلو كان عالما نحريرا لما تحيّر فهمه ، وما تزندق من ضيق عطن فكره .
[ 37 ]
[ سورة سبإ ( 34 ) : آية 37 ]
وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ ( 37 )
يجوز أن تكون جملة
وَما أَمْوالُكُمْ
عطفا على جملة
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ
[ سبأ : 36 ] إلخ فيكون كلاما موجها من جانب اللّه تعالى إلى الذين قالوا :
نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا