تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
وقد طويت جمل من وراء
حَتَّى
، والتقدير : إلا لمن أذن له ويومئذ يبقى الناس مرتقبين الإذن لمن يشفع ، فزعين من أن لا يؤذن لأحد زمنا ينتهي بوقت زوال الفزع عن قلوبهم حين يؤذن للشافعين بأن يشفعوا ، وهو إيجاز حذف . و
إِذا
ظرف للمستقبل وهو مضاف إلى جملة
فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ
ومتعلق ب
قالُوا
. و
فُزِّعَ
قرأه الجمهور بضم الفاء وكسر الزاي مشددة ، وهو مضاعف فزع . والتضعيف فيه للإزالة مثل : قشّر العود ، ومرّض المريض إذا باشر علاجه ، وبني للمجهول لتعظيم ذلك التفزيع بأنه صادر من جانب عظيم ، ففيه جانب الآذن فيه ، وجانب المبلغ له وهو الملك . والتفزيع يحصل لهم بانكشاف إجمالي يلهمونه فيعلمون بأن اللّه أذن بالشفاعة ثم يتطلبون التفصيل بقولهم :
ما ذا قالَ رَبُّكُمْ
ليعلموا من أذن له ممن لم يؤذن له ، وهذا كما يكرّر النظر ويعاود المطالعة من ينتظر القبول ، أو هم يتساءلون عن ذلك من شدة الخشية فإنهم إذا فزّع عن قلوبهم تساءلوا لمزيد التحقق بما استبشروا به فيجابون أنه قال الحق . فضمير
قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ
عائد على بعض مدلول قوله :
لِمَنْ أَذِنَ لَهُ
. وهم الذين أذن للشفعاء بقبول شفاعتهم منهم وهم يوجهون هذا الاستفهام إلى الملائكة الحافّين ، وضمير
قالُوا الْحَقَّ
عائد إلى المسؤولين وهم الملائكة . ويظهر أن كلمة
الْحَقَّ
وقعت حكاية لمقول اللّه بوصف يجمع متنوع أقوال اللّه تعالى حينئذ من قبول شفاعة في بعض المشفوع فيهم ومن حرمان لغيرهم كما يقال : ما ذا قال القاضي للخصم ؟ فيقال : قال الفصل . فهذا حكاية لمقول اللّه بالمعنى . وانتصاب
الْحَقَّ
على أنه مفعول
قالُوا
يتضمن معنى الكلام ، أي قال الكلام الحق ، كقوله :
وقصيدة تأتي الملوك غريبة * قد قلتها ليقال من ذا قالها
هذا هو المعنى الذي يقتضيه نظم الآية ويلتئم مع معانيها . وقد ذهبت في تفسيرها أقوال كثير من المفسرين طرائق قددا ، وتفرقوا بددا بددا . و ( ذا ) من قوله :
ما ذا
إشارة عوملت معاملة الموصول لأن أصل :
ما ذا قالَ
:
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 55 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور