تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ
إلى آخره . وإطلاق اسم الجنتين على هذه المنابت مشاكلة للتهكم كقول عمرو بن كلثوم :
قريناكم فعجلنا قراكم * قبيل الصبح مرادة طحونا
وقوله تعالى :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ *
[ الانشقاق : 24 ] . وقد وصف الأعشى هذه الحالة بدءا ونهاية بقوله :
وفي ذاك للمؤنسي عبرة * ومأرب عفى عليها العرم
رخام بنته لهم حمير * إذا جاء موّارة لم يرم
فأروى الزروع وأعنابها * على سعة ماؤهم إذا قسم
فعاشوا بذلك في غبطة * فحاربهم جارف منهزم
فطار القيول وقيلاتها * ببهماء فيها سراب يطم
فطاروا سراعا وما يقدرو * ن منه لشرب صبيّ فطم
والخمط : شجر الأراك . ويطلق الخمط على الشيء المرّ . والأثل : شجر عظيم من شجر العضاه يشبه الطرفاء . والسدر : شجر من العضاه أيضا له شوك يشبه شجر العناب . وكلها تنبت في الفيافي . والسدر : أكثرها ظلا وأنفعها لأنه يغسل بورقه مع الماء فينظف وفيه رائحة حسنة ولذلك وصف هنا بالقليل لإفادة أن معظم شجرهم لا فائدة منه ، وزيد تقليله قلة بذكر كلمة
شَيْءٍ
المؤذنة في ذاتها بالقلة . يقال : شيء من كذا ، إذا كان قليلا . وفي القرآن :
وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
[ يوسف : 67 ] . والأكل - بضم الهمزة وسكون الكاف وبضم الكاف - : المأكول . قرأه نافع وابن كثير بضم الهمزة وسكون الكاف . وقرأه باقي العشرة بضم الكاف . وقرأ الجمهور
أُكُلٍ
بالتنوين مجرورا فإذا كان
خَمْطٍ
مرادا به الشجر المسمّى بالخمط ، فلا يجوز أن يكون
خَمْطٍ
صفة ل
أُكُلٍ
لأن الخمط شجر ، ولا أن يكون بدلا من
أُكُلٍ
كذلك ، ولا عطف بيان كما قدره أبو علي لأن عطف البيان كالبدل المطابق ، فتعين أن يكون
خَمْطٍ
هنا صفة يقال : شيء خامط إذا كان مرّا . وقرأه أبو عمرو ويعقوب
أُكُلٍ
بالإضافة إلى
خَمْطٍ
، فالخمط إذن مراد به شجر