تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
بشاعر . وانتصب
الشِّعْرَ
على أن مفعول ثان لفعل
عَلَّمْناهُ
، وهذا الفعل من أفعال العلم ، ومجرّده يتعدّى إلى مفعول واحد غالبا نحو علم المسألة . ويتعدّى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر . فإذا دخله التضعيف صار متعديا إلى مفعولين فقط اعتدادا بأن مجرده متعدّ إلى واحد كقوله تعالى :
وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
[ المائدة : 110 ] في سورة العقود ، وقوله :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ
في هذه السورة يس وهذه تفرقة في الاستعمال موكولة إلى اختيار أهل اللسان نبّه عليه الرضيّ في « شرح الكافية » في باب تعدية أفعال القلوب إلى مفعولين بأن أصله متعدّ إلى واحد . فتقدير المعنى : نحن علمناه القرآن وما علمناه الشعر ، فالقرآن موحى إليه بتعليم من اللّه والذي أوحى به إليه ليس بشعر ، وإذن فالمعنى : أن القرآن ليس من الشعر في شيء ، فكانت هاته الجملة ردّا على قولهم : هو شاعر على طريقة الكناية لأنها انتقال من اللازم إلى الملزوم . ودل على أن هذا هو المقصود من قوله :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ
قوله عقبه
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ
، أي ليس الذي علمناه إياه إلّا ذكرا وقرآنا وما هو بشعر . والتعليم هنا بمعنى الوحي ، أي وما أوحينا إليه الشعر فقد أطلق التعليم على الوحي في قوله تعالى :
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
[ النجم : 4 ، 5 ] وقال :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
[ النساء : 113 ] . وكيف يكون القرآن شعرا والشعر كلام موزون مقفّى له معان مناسبة لأغراضه التي أكثرها هزل وفكاهة ، فأين الوزن في القرآن ، وأين التقفية ، وأين المعاني التي ينتجها الشعراء ، وأين نظم كلامهم من نظمه ، وأساليبهم من أساليبه . ومن العجيب في الوقاحة أن يصدر عن أهل اللسان والبلاغة قول مثل هذا ولا شبهة لهم فيه بحال ، فما قولهم ذلك إلّا بهتان . وما بني عليه أسلوب القرآن من تساوي الفواصل لا يجعلها موازية للقوافي كما يعلمه أهل الصناعة منهم وكل من زاول مبادئ القافية من المولدين ، ولا أحسبهم دعوه شعرا إلّا تعجلا في الإبطال ، أو تمويها على الإغفال ، فأشاعوا في العرب أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم شاعر ، وأن كلامه شعر . وينبني عن هذا الظن خبر أنيس بن جنادة الغفاري أخي أبي ذرّ ، فقد روى البخاري عن ابن عباس ، ومسلم عن عبد اللّه بن الصامت ، يزيد أحدهما على الآخر قالا : « قال أبو ذر لأخيه : اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء واستمع من قوله ثم ائتني ، فانطلق الأخ حتى قدم
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 262 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور