تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
الحيّ لأخذ أنعامه وسبي نسائه ، فأطلق على ذلك الحلول فعل
تَأْخُذُهُمْ
كقوله تعالى :
فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً
[ الحاقة : 10 ] أي تحلّ بهم وهم يختصمون . وإسناد الأخذ إلى الصيحة حقيقة عقلية لأنهم يهلكون بصعقتها . ويحتمل أن تكون الصيحة على حقيقتها وهي صيحة صائحين ، أي ما ينتظرون إلّا أن يصاح بهم صيحة تنذر بحلول القتل ، فيكون إنذارا بعذاب الدنيا . ولعلها صيحة الصارخ الذي جاءهم بخبر تعرّض المسلمين لركب تجارة قريش في بدر . و
يَخِصِّمُونَ
من الخصومة والخصام وهو الجدال ، وتقدم في قوله :
وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً
في سورة النساء [ 105 ] ، وقوله :
هذانِ خَصْمانِ
في سورة الحج [ 19 ] . وأصله : يختصمون فوقع إبدال التاء ضادا لقرب مخرجيهما طلبا للتخفيف بالإدغام . واختلف القراء في كيفية النطق بها ، فقرأه الجميع بفتح الياء واختلفوا فيما عدا ذلك : فقرأ ورش عن نافع وابن كثير وأبو عمرو في رواية عنه
يَخِصِّمُونَ
بتشديد الصاد مكسورة على اعتبار التاء المبدلة صادا والمسكّنة لأجل الإدغام ، ألقيت حركتها على الخاء التي كانت ساكنة . وقرأه قالون عن نافع وأبو عمرو في المشهور عنه بسكون الخاء سكونا مختلسا ( بالفتح ) لأجل التخلص من التقاء الساكنين وبكسر الصاد مشدّدة . وقرأه عاصم والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر ويعقوب وخلف
يَخِصِّمُونَ
بكسر الخاء وكسر الصاد مشدّدة . وقرأه حمزة
يَخِصِّمُونَ
بسكون الخاء وكسر الصاد مخففة مضارع ( خصم ) قيل بمعنى جادل . وقرأ أبو جعفر
يَخِصِّمُونَ
بإسكان الخاء وبكسر الصاد مشددة على الجمع بين الساكنين . والاختصام : اختصامهم في الخروج إلى بدر أو في تعيين من يخرج لما حلّ بهم من مفاجئات لهم وهم يختصمون بين مصدق ومكذب للنذير . وإسناد الأخذ إلى الصيحة على هذا التأويل مجاز عقلي لأن الصيحة وقت الأخذ وإنما تأخذهم سيوف المسلمين . وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله :
وَهُمْ يَخِصِّمُونَ
لإفادة تقوّي الحكم وهو أن الصيحة تأخذهم . وفرع على
تَأْخُذُهُمْ
جملة
فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً
أي لا يتمكنون من توصية على أهليهم وأموالهم من بعدهم كما هو شأن المحتضر ، فإن كان المراد من الصيحة صيحة الواقعة كان قوله :
فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً
كناية عن شدة السرعة بين الصيحة وهلاكهم ، إذ لا يكون المراد مدلوله الصريح لأنهم لا يتركون غيرهم بعدهم إذ الهلاك