تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
ووجه هذا الانحصار أن هذا الاصطفاء وإيراث الكتاب جمع فضيلة الدنيا وفضل الآخرة قال تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ النحل : 97 ] ، وقال :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
[ النور : 55 ] . [ 33 ]

[ سورة فاطر ( 35 ) : آية 33 ]

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ( 33 ) الأظهر أنه بدل اشتمال من قوله :
ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
[ فاطر : 32 ] فإن مما يشتمل عليه الفضل دخولهم الجنة كما علمت وتخصيص هذا الفضل من بين أصنافه لأنه أعظم الفضل لأنه أمارة على رضوان اللّه عنهم حين إدخالهم الجنة ،
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
[ التوبة : 72 ] . ويجوز أن يكون استئنافا بيانيا لبيان الفضل الكبير وقد بيّن بأعظم أصنافه . والمعنى واحد . وضمير الجماعة في
يَدْخُلُونَها
راجع إلى
الَّذِينَ اصْطَفَيْنا
[ فاطر : 32 ] المقسم إلى ثلاثة أقسام : ظالم ، ومقتصد ، وسابق ، أي هؤلاء كلهم يدخلون الجنة لأن المؤمنين كلهم مآلهم الجنة كما دلت عليه الأخبار التي تكاثرت . وقد روى الترمذي بسند فيه مجهولان عن أبي سعيد الخدري « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال في هذه الآية :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ
[ فاطر : 32 ] قال : « هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة » . قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلّا من هذا الوجه . قال أبو بكر بن العربي في « العارضة » : من الناس من قال : إن هذه الأصناف الثلاثة هم الذين في سورة الواقعة [ 8 - 10 ] :
أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ
- و
أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ
- و
السَّابِقُونَ
. وهذا فاسد لأن أصحاب المشأمة في النار الحامية ، وأصحاب سورة فاطر في جنة عالية لأن اللّه ذكرهم بين فاتحة وخاتمة فأما الفاتحة فهي قوله :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا
[ فاطر : 32 ] فجعلهم مصطفين . ثم قال في آخرهم
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها
[ فاطر : 33 ] ولا يصطفى إلّا من يدخل الجنة ، ولكن أهل الجنة ظالم لنفسه فقال :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ
[ فاطر : 32 ] وهو العاصي والظالم المطلق
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 167 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور