تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
يتصرفوا في تلك الأرزاق أن يكون تصرفهم غير مرضي لعبيدهم ، وهذا التشبيه وإن كان منصرفا لمجموع المركب من الهيئتين قد بلغ غاية كمال نظائره إذ هو قابل للتفريق في أجزاء ذلك المركب بتشبيه مالك الخلق كلهم بالذين يملكون عبيدا ، وتشبيه الأصنام التي هي مخلوقة للّه تعالى بمماليك الناس ، وتشبيه تشريك الأصنام في التصرف مع الخالق في ملكه بتشريك العبيد في التصرف في أرزاق سادتهم ، وتشبيه زعمهم عدول اللّه عن بعض ما يريده في الخلق لأجل تلك الأصنام ، وشفاعتها بحذر أصحاب الأرزاق من التصرف في حظوظ عبيدهم الشركاء تصرفا يأبونه . فهذه الهيئة المشبه بها هيئة قبيحة مشوهة في العادة لا وجود لأمثالها في عرفهم فكانت الهيئة المشبهة منفية منكرة ، ولذلك أدخل عليها استفهام الإنكار والجحود لينتج أن الصورة المزعومة للأصنام صورة باطلة بطريق التصوير والتشكيل إبرازا لذلك المعنى الاعتقادي الباطل في الصورة المحسوسة المشوهة الباطلة . ولذلك عقب بجملة
كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
، أي نفصل الدلائل على الاعتقاد الصحيح تفصيلا كهذا التفصيل وضوحا بينا ، وجملة
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
[ الروم : 24 ] استئناف ابتدائي . والقوم الذين يعقلون هم المتنزهون عن المكابرة والإعراض ، والطالبون للحق والحقائق لوفرة عقولهم ، فيزداد المؤمنون يقينا ويؤمن الغافلون والذين تروج عليهم ضلالات المشركين ثم تنكشف عنهم بمثل هذه الدلائل البينة . وفي ذكر لفظ قوم وإجراء الصفة عليه إيماء إلى أن هذه الآيات لا ينتفع بها إلا من كان العقل من مقومات قوميته كما تقدم في قوله تعالى
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ *
في سورة البقرة [ 164 ] ، وتقدمت له نظائر كثيرة . والقول في إيثار وصف العقل هنا دون غيره من أوصاف النظر والفكر كالقول فيما تقدم عند قوله
وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً
إلى قوله
يَعْقِلُونَ
[ الروم : 24 ] . وفي هذا تعريض بالمتصلبين في شركهم بأنهم ليسوا من أهل العقول ، وليسوا ممن ينتفعون كقوله تعالى
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
[ العنكبوت : 43 ] وقوله
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
[ البقرة : 171 ] . وقوله
كَذلِكَ
تقدم نظيره في قوله تعالى
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] .