تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
مرئيا أن ذلك يثير في النفوس خوفا من أن يكون اللّه سلطه عقابا وطمعا في أن يكون أراد به خيرا للناس فيطمعون في نزول المطر ، ولذلك أعقبه بقوله
وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً
فإن نزول المطر مما يخطر بالبال عند ذكر البرق . وقوله
مِنْ آياتِهِ
جار ومجرور يحتاج إلى تقدير كون إن كان ظرفا مستقرا ، أو إلى متعلّق إن كان ظرفا لغوا . وموقع هذا الجار والمجرور في هذه الآية وارد على مثل مواقع أمثاله في الآيات السابقة واللاحقة الشبيهة بها ، وذلك مما يدعو إلى اعتبار ما يذكر بعد الجار والمجرور في معنى مبتدأ مخبر عنه بالجار والمجرور المقدم عليه حملا على نظائره ، فيكون المعنى : ومن آياته إراءته إياكم البرق إلخ . فلذلك قال أئمة النحو : يجوز هنا جعل الفعل المضارع بمعنى المصدر من غير وجود ( أن ) ولا تقديرها ، أي من غير نصب المضارع بتقدير ( أن ) محذوفة ، وجعلوا منه قول عروة بن الورد :
وقالوا ما تشاء فقلت ألهو * إلى الإصباح آثر ذي آثار
وقول طرفة : ألا أيهذا الزاجري احضر الوغى وجعلوا منه قوله تعالى
قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ
[ الزمر : 64 ] برفع
أَعْبُدُ
في مشهور القراءات ، وقولهم في المثل : تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه ، وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « كلّ يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة ، وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو تحمل عليها متاعه صدقة » و قوله فيه : « وتميط الأذى عن الطريق صدقة » رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة . ومن بديع الاستعمال تفنن هذه الآيات في التعبير عن معاني المصدر بأنواع صيغه الواردة في الاستعمال ، من تعبير بصيغة صريح المصدر تارة كقوله
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الروم : 22 ] وقوله
وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ
[ الروم : 23 ] ، وبالمصدر الذي ينسبك من اقتران
أَنْ
المصدرية بالفعل الماضي
أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً
[ الروم : 21 ] واقترانها بالفعل المضارع
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ
[ الروم : 25 ] ، وباسم المصدر تارة
وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ
[ الروم : 23 ] ومرة بالفعل المجرد المؤوّل بالمصدر
وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ
. ولك أن تجعل المجرور متعلقا ب
يُرِيكُمُ
وتكون
مِنْ
ابتدائية في موضع الحال من البرق ، وتكون جملة
يُرِيكُمُ الْبَرْقَ
معطوفة على جملة
وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ